فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 1507

وللسلطة العامة بعد ذلك أن تعاقب القاتل بما تراه ملائمًا من العقوبات بشرط أن لا تصل إلى القتل.

فالشريعة إذن قصدت من إعطاء ولي الدم حق القصاص إصلاح النفوس، وإحلال الوئام محل الخصام، وحفظ الأمن والنظام، وتقليل الجرائم، وحمل الناس على احترام الأحكام، ومنعهم من التفكير في الانتقام لأنفسهم وأهليهم، كما أنها قصدت فوق هذا كله حفظ الدماء والأرواح وعدم الإسراف في عقوبة الإعدام بقدر الإمكان.

وحق القصاص حق لا يتجزأ، أما حق العفو فحق قابل للتجزئة، وهذا هو رأي أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ويترتب على هذا الرأي أنه لو عفا أحد أولياء الدم سقط حق الباقية في القصاص. ولكن مالكًا يرى أن حق العفو حق لا يقبل التجزئة أيضًا ويترتب على ذلك أن العفو لا يكون له أثر ما لم يكن من جميع أولياء الدم، فإذا عفا أحدهم كان للآخر أن يقتص.

وأبسط الصور في استعمال حق القصاص أن يحكم على الجاني بالعقوبة، فإذا حان موعد التنفيذ نفذ ولي الدم العقوبة أو وكل غيره في تنفيذها، ومن المسلم به أن لا مسئولية على ولي الدم في هذه الحالة، وأن فعله ليس جريمة؛ لأنه يستعمل حقًا قرره له الشارع.

لكن يحدث أن تتملك الرعونة ولي الدم فيقتص قبل الحكم على الجاني أو بعد الحكم وقبل ميعاد التنفيذ، كذلك يحدث أن يعفو ولي الدم عن القصاص تحت بعض المؤثرات ثم يعود فيرى القصاص خيرًا له فيقتص بعد العفو، وقد يعفو بعض الأولياء بينما يقتص البعض الآخر، وقد يسارع بعض الأولياء بالقصاص قبل أخذ رأي الباقين وفيهم من يرى العفو، فهل يعتبر مباشر القصاص في هذا الحالات مستعملًا حقًا أم مرتكبًا لجريمة؟ وهل يعفى من العقوبة أم يؤاخذ على فعله؟ ذلك ما سنبينه فيما يلي مبتدئين أولًا بحكم هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت