وبعد البدء في التنفيذ. فإذا رجع في إقراره أوقف التنفيذ لاحتمال أن يكون عدوله عن إقراره صحيحًا، ولما كان الجنون يمنع المحكوم عليه من الرجوع في إقراره وكان من حقه أن يرجع في إقراره تعين إيقاف التنفيذ حتى يفيق المجنون.
أما إذا كان الحكم قائمًا على دليل آخر غير الإقرار فلا يوقف الرجوع عن الإقرار تنفيذ الحكم. وأساس هذا الرأي أن العقوبة عن جريمة ارتكابها مجرم مسئول وقت ارتكابها، وأن العبرة في الحكم بالعقوبة وتنفيذها إنما بحال المكلف وقت ارتكاب الجريمة لا قبل ذلك ولا بعده [1] .
ويمكن تعليل هذا الرأي أيضًا بأن العقوبة شرعت للتأديب والزجر، فإذا تعطل جانب التأديب بجنون المحكوم عليه لأنه لا يشعر بالتأديب فلا ينبغي تعطيل جانب الزجر؛ لأن مصلحة الجماعة ظاهرة في تنفيذ العقوبة لزجر الغير.
وفي مذهب مالك يرون أن الجنون يوقف تنفيذ الحكم، ويظل الحكم موقوفًا حتى يفيق المجنون، إلا إذا كانت العقوبة قصاصًا فإنها على رأي البعض تسقط باليأس من إفاقة المجنون وتحل محلها الدية، ولكن البعض الآخر يرى في حالة اليأس من إفاقة المجنون أن يسلم المجنون المحكوم عليه بالقصاص لأولياء الدم فإن شاءوا اقتصوا وإن شاءوا أخذوا الدية [2] .
ويرى أبو حنيفة إيقاف تنفيذ العقوبة على المجنون إلا إذا كان الجنون قد طرأ بعد تسليم المجنون للتنفيذ عليه؛ لأن هذا يعتبر بدءًا في التنفيذ وإذا بدأ التنفيذ فلا يوقف للجنون. وإذا كانت العقوبة قصاصًا فجن الجاني بعد الحكم عليه وقبل تسليمه للتنفيذ عليه فإن القصاص ينقلب بالجنون دية استحسانًا [3] .
ويقوم القول بأن الجنون يوقف التنفيذ على أساسين:
أولهما: أن شرط العقوبة
(1) تحفة المحتاج ج4 ص19، المغني ج9 ص377، الإقناع ج4 ص244.
(2) مواهب الجليل ج6 ص232.
(3) حاشية ابن عابدين ج5 ص470.