فهرس الكتاب

الصفحة 687 من 1507

لكن الكثيرين من الفقهاء أجازوا استثناء هذه القاعدة العامة أن يعاقب بالقتل تعزيرًا إذا اقتضت المصلحة العامة تقرير عقوبة القتل، أو كان فساد المجرم لا يزول إلا بقتله، كقتل الجاسوس والداعية إلى البدعة ومعتاد الجرائم الخطيرة [1] .

وإذا كان القتل تعزيرًا قد جاء استثناء من القاعدة فإنه لا يتوسع فيه ولا يترك أمره للقاضي ككل العقوبات التعزيرية، بل يجب أن يعين ولي الأمر الجرائم التي يجوز فيها الحكم بالقتل، وقد اجتهد الفقهاء في تعيين هذه الجرائم وتحديدها، ولم يبيحوا القتل إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، بأن كان المجرم قد تكررت جرائمه ويئس من إصلاحه، أو كان استئصال المجرم ضروريًا لدفع فساده وحماية الجماعة منه.

ويبيح الحنفيون عامة القتل تعزيرًا ويسمونه القتل سياسة، ويرى بعض الحنابلة هذا الرأي وعلى الأخص ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ويأخذ بهذا الرأي قليل من المالكية [2] ، ولكن أكثر الجرائم التي يبيح فيها الحنفية القتل تعزيرًا أو سياسةً يعاقب عليها حدًا أو قصاصًا في المذاهب الأخرى، فما يظن توسعًا في مذهب الحنفية هذه الوجهة هو توسع ظاهري في أكثر الحالات، فمثلًا يبيح الحنفية القتل تعزيرًا في جريمة القتل بالمثقل وفي جريمة اللواط، ولا يرون القتل قصاصًا في الحالة الأولى أو حدًا في الحالة الثانية، بينما يرى مالك والشافعي وأحمد قتل القاتل بالمثقل قصاصًا وقتل اللائط والملوط به حدًا، ويرى بعض الحنابلة والمالكية قتل الداعية إلى البدعة تعزيرًا بينما يراه غيرهم مرتدًا بدعوته للبدعة فيقتل حدًا.

(1) حاشية ابن عابدين ج4 ص247، 248، الإقناع ج4 ص271، الطرق الحكمية لابن القيم ص106، الاختيارات لابن تيمية ص178، 179، مواهب الجليل ج3 ص357، البحر الرائق ج5 ص45، مجموعة الوسائل لابن تيمية، الحسبة، ص58.

(2) لا يبيح الشافعيون ومعظم المالكيين القتل تعزيرًا، ويفضلون أن يحبس الجاني المفسد الذي يستضر بجرائمه إلى غير أمد لكف شره عن الجماعة، ويؤيدهم في هذا الاتجاه بعض الحنابلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت