فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 1507

لقد رتب القانون تخفيف العقوبة على ظروف الجاني, فهل يصعب في أية جريمة مهما كانت خطورتها أن لا تجد لجانٍ عذرًا مخففًا؟ فتارة الجاني شاب يافع وتارة هو متقدم في السن, وتارة دفعته للجريمة الغيرة على الشرف والعرض, وتارة استفز لارتكاب الجريمة, وتارة وقع تحت مؤثرات قوية, وتارة دفعته للجريمة عقيدته السياسية أو الوطنية, إلى غير ذلك من الأعذار التي لا تفرغ منها جعبة الجناة والمدافعين عنهم, وهل يستطيع القاضي أن يصم أذنيه فلا يسمع دفاعًا, ويغلق قلبه فلا يرحم ضعيفًا, ويوقف علقله فلا يفكر في ظروف المتهم ولا يقدرها, خصوصًا إذا أحكم ترتيبها وأحسن عرضها؟ صحيح أن القانون أجاز للقاضي أن يأخذ بظروف الرأفة ولم يلزمه بها, ولكن هذا الجواز بالنسبة للقاضي يساوي تمامًا الإلزام بل هو عين الإلزام؛ لأن الاعتراف بالظروف المخففة وترتيب أثر قانوني لها هو بمثابة تقرير حق الجاني قبل القاضي أساسه هذه الظروف المخففة, فأي قاضٍ يستطيع أن ينكر على الجاني حقه, أو يستطيع أن لا يرتب على دفاعه إذا صح أثره؟

وإذا كان واضعو القانون قد غلب على ظنهم نجاح القضاة؛ لأنهم سيعالجون حالات فردية فذلك هو الظن المجرد, وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا, فالقاضي يعالج حقيقة حالات فرادى، ولكنه يعالجها على نفس الأساس الذي كان يعالج به العلماء نظرية العقوبة, فالعلماء ينظرون إلى الجريمة وإلى المجرم معًا, والقاضي ينظر إلى الجريمة والمجرم معًا, والعلماء لا يريدون أن يضحوا بأحد هذين الاعتبارين أحيانًا في سبيل الاحتفاظ بالآخر, والقاضي يفعل مثلهم ولا يستطيع أن يضحي بأحد الاعتبارين ويستبقي الآخر, فيؤدي به موقفه إلى أن يضحي بهما معًا وبمصلحة الجماعة وأمنها في أغلب الأحوال.

ولقد نسى من وضع هذا السلطان العظيم في يد القضاة أنهم بشر, وأم من طبيعة البشر التهرب من حمل المسئولية, وأن الإنسان إذا خير بين مسئوليات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت