قال: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} [المائدة: 45] . وأما السنة فإن أنس بن مالك قال:"ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع إليه شئ من قصاص إلا أمر فيه بالعفو".
والعفو عن القصاص عند الشافعي وأحمد هو التنازل عن القصاص مجانًا أو على الدية, فمن تنازل عن القصاص من القاتل مجانًا فهو عاف، ومن تنازل عن القصاص مقابل الدية فهو عاف [1] .
والعفو عند مالك وأبي حنيفة هو إسقاط القصاص مجانًا, أما التنازل عن القصاص مقابل الدية فهو ليس عفوًا وإنما هو صلح؛ لأن الجاني لا يلزم بالدية إلا إذا قبلها [2] .
ويعتبر مالك وأبو حنيفة العفو عن القصاص على الدية صلحًا لا عفوًا؛ لأن الواجب بالعمد عندهما هو القصاص عينًا؛ لأن الدية لا تجب عندهما إلا برضاء الجاني, وإذا كان إسقاط القصاص على الدية يقتضي رضاء الطرفين فهو صلح لا عفو. أما الشافعي وأحمد فيعتبران العفو عن القصاص على الدية عفوًا لا صلحًا؛ لأن الواجب العمد عندهما أحد سيئين غير عين القصاص والدية، والخيار للمجني عليه أو وليه دون حاجة لرضاء الجاني, ولما كان القصاص أشد من الدية كان إسقاطه واختيار الدية إسقاطًا محضًا لا مقابل له وترك للأثر وأخذ الأقل, فهو عفو؛ لأنه إسقاط محض صادر من طرف واحد وغير متوقف على موافقة الطرف الآخر.
وكما يجوز العفو عن القصاص يجوز العفو عن الدية, وسواء كانت الدية هي العقوبة الأصلية كما في القتل الخطأ أو كانت حالة محل القصاص.
535 -العفو في جرائم التعازير: من المتفق عليه بين الفقهاء أو لولي
(1) المهذب ج2 ص201, الشرح الكبير ج9 ص417.
(2) الشرح الكبير للدردير ج4 ص230, الزيلعي ج4 ص107, 108, البحر الرائق ج8 ص300, 301.