الحديث الأول
عَنْ عَاِئشةَ رَضىٍ الله عَنْها: أن رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى مِنْ يَهُوِدي طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعا مِنْ حَدِيدٍ.
المعنى الإجمالي:
زهادة النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا، وتقللهُ منها، وكرمه الذي يبارى الرياح، لم يُبْقِ ما يدخره لقوت نفسه، وقوت أهله، الأيام اليسيرة.
ولهذا فقد آل به الأمر أن اشترى من يهودي طعامًا من شعير، ورهنه ما هو محتاج إليه للجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته، وهو درعه الذي يلبسه في الحروب، وقاية- بعد الله تعالى- من سلاح العدو، وكيدهم.
ما يستفاد من الحديث:
1-جواز الرهن مع ثبوته في الكتاب العزيز أيضًا.
2-جواز معاملة الكفار، وأنها ليست من الركون إليهم المنهي عنه. قال الصنعاني: وهو معلوم من الدين ضرورة، فإنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقاموا بمكة ثلاث عشرة سنة يعاملون المشركين، وأقام في المدينة عشرًا يعامل هو وأصحابه أهل الكتاب وينزلون أسواقهم.
3-وفيه جواز معاملة مَنْ أكثر ماله حرام، ما لم يعلم أن عين المتعامل به حرام. قال الصنعاني: وفيه دليل إلى عدم النظر إلى كيفية معاملتهم في أنفسهم، فإنه من المعلوم أنهم يبيعون الخمور ويأكلون السحت ويقبضونه، ولكن ليس لنا البحث عن معاملتهم وعن كيفية دخول المال إلى أيديهم، بل نعاملهم معاملة من في يده ملكه الحلال حتى يتبين لنا خلافه. ومثله الظلمة.
4-وليس في الحديث دليل على جواز بيع السلاح على الكفار، لأن الدرع ليس من السلاح ولأن الرهن ليس بيعا أيضًا، ولأن الذي رهن عنده النبي صلى الله عليه وسلم درعه، في حساب المستأمنين الذين تحت الحماية والحراسة، فلا يُخْشَى منهم سطوة أو خيانة. فإن إعانة الكفار والأعداء بالأسلحة، محرمة وخيانة كبرى.
5-فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الإقلال والزهد، رغبة فيما عند الله وكرما، فَلا يَدَع مالًا يقر عنده.