الصفحة 29 من 48

فقال: «يا معاذ، أتدري ما حقُّ الله على العباد وما حقُّ العباد على الله؟» قلت الله ورسوله أعلم، قال: «حقُّ الله على عباده ألاَّ يُشرِكوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله ألا يُعذِّب من لا يُشرِك به شيئًا» [1] .

فهو سبحانه الذي مَنَّ على من شاء من عباده فوفَّقهم للعمل، ومنَّ عليهم بقبوله منهم وإثابتهم عليه، ولهذا يسمي سبحانه جزاء الأعمال وثوابها «أَجْرًا» [2] ، كما يُسمي سبحانه الصدقة «قَرضًا» [3] تَفضُّلًا وامتنانًا وإحسانًا، وأنه سبحانه ألزم نفسه بالثواب لمن عمل صالحًا، ولقد أحسن القائل [4] :

مَا لِلعِبَادِ عَليْهِ حقٌّ وَاجِبُ ... كَلاَّ وَلاَ عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ

إنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ... فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الكَرِيمُ الوَاسِعُ

وأحسن من هذا قول ابن القيم في «النونية» [5] مُضمِّنًا مقاله هذين البيتين، ومُبيِّنًا أنه لا واجب على الله للعابد إلا ما أوجبه على نفسه بفضله ومنه، وأنه لا يضيع لديه عملٌ اشتمل على الإخلاص

(1) أخرجه البخاري في الجهاد والسير 2856، ومسلم في الإيمان 30، والترمذي في الإيمان 2643، وابن ماجه في الزهد 4296، وانظر"التوسل والوسيلة"ص 55.

(2) كقوله تعالى: {وَإن تُؤمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُم أجْرٌ عَظِيم} سورة آل عمران، الآية: 179، والآيات في هذا كثيرة جدًا.

(3) كقوله تعالى: {إنَّ المصَّدِّقِينَ وَالمُصَّدِّقَات وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا} سورة الحديد الآية 18، والآيات في هذا كثيرة.

(4) انظر"الوابل الصيب"ص 138،"شرح الطحاوية"1/ 296.

(5) ص 149 - 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت