لله والإحسان في المتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - [1] ، قال ابن القيِّم:
ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشان
كلا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان
إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله والفضل للمنان
كما أنَّ له - عز وجل - على نفسه ما شاء، كما في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم مُحرَّمًا، لا تظالموا» [2] .
فله - عز وجل - أن يُوجب على نفسه ما شاء، ويُحرِّم على نفسه ما شاء، كما قال سبحانه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [3] .
وليس للعباد أن يُوجبوا عليه شيئًا كما تقول المعتزلة ومن سلك مسلكهم في أنَّ قبول التوبة واجب على الله بطريق العقل، ويرَون أنَّ الأعمال عوضٌ عن دخول الجنة، وأنَّ من عمل صالحًا وجب على الله أن يُدخله الجنة بطريق العقل. [4]
والصحيح عند أهل السُنة أنَّ العمل الصالح إنما هو سبب لدخول الجنة، ودخولها إنما هو برحمة الله الذي كتب على نفسه الرحمة شرعًا وسمعًا، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضل» . [5]
وكيف يجب على الله واجبات لخلقه بطريق العقل، علمًا أنه ينبغي أن يكون الموجِب فوق الموجَب عليه، والله جلَّ وعلا فوق الجميع وربُّهم وخالقهم، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا [6] .
3 -الترغيب في التوبة؛ لأنَّ الله أوجبها على نفسه، ويجب من اتَّصف بها، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [7] ..
وهي واجبة على جميع العباد، قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [8] [9] ..
وقال - صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فوالله إني لأتوب إليه في اليوم مائة مرة» [10] ..
وقال - صلى الله عليه وسلم: «لله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من أحدكم بضالته إذا
(1) كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّن أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِن} سورة النساء الآية: 125.
(2) أخرجه مسلم في"البر والصلة"2577، والترمذي في"صفة القيامة"2495، وابن ماجة في"الزهد"4257 من حديث أبي ذر - رضي الله عنه -.
(3) سورة الأنبياء، آية: 23.
(4) أنظر"التفسير الكبير"10/ 3،"التوسل والوسيلة"ص 54، 55.
(5) أخرجه البخاري في المرضى 5673، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار 2816، وابن ماجة في الزهد 4201 من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وانظر"التوسل والوسيلة"ص 54 - 57.
(6) انظر"التحرير الوجيز"4/ 52 - 54،"الجامع لأحكام القرآن"5/ 91.
(7) سورة البقرة، آية: 222.
(8) سورة النور، آية: 31.
(9) انظر"المحرر الوجيز"4/ 52،"الجامع لأحكام القرآن"5/ 90،"مجموع الفتاوى"15/ 403.
(10) أخرجه مسلم في الذكر 2702 من حديث الأغر المزني - رضي الله عنه -.