بطوعه واختياره يتحدث في مجلس مع أصحابه ويخبر وكأنه عثر على كنز!: فلان قال لي، وفلان اخبرني ... وآخر يرسل لسانه ويفشي ما استودعه الناس من أسرارهم الخاصة، وثالث طلق زوجته وبدأ في المجالس يفشي سرها؛ وهي في مجالس أخرى تفشي سره وقد تزيد؛ أما الرابع فهو يهمس وكأنّه يحمل همًا يزيحه عن كاهله متحدثًا عن أسرار عمله وهي أمور هامة يجب ألا يطلع عليها أحد!
كل ما بثه أولئك إنما هو من الأسرار التي اؤتمنوا عليها! فما هو السر يا ترى؟!
السر هو ذلك المكنون الذي تضمُّه بينها الجوانح والصدور، والذي لا يستطيع كتمانه والحفاظ عليه إلا أولوا العزم من الناس، الذين كبروا على شهوات أنفسهم وتمردوا على حب الشهرة والذات، وعصموا ألسنتهم عن أن تفتق حجاب السر أو تهتك ستاره، حتى يظل في طي الكتمان إلى ما لا نهاية له من الزمان، لأن في كتمانه نجاح صاحبه وفلاحه.
والسر من الأمور التي يجب الحفاظ عليها، ومعاقبة الذين يحومون حولها، ويتعدون على حماها، ولقد جرت سنة الله في خلقه على ذلك حيث يقول سبحانه: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر: 16 - 18] فهذه الآية الكريمة تنبه إلى أمرين مهمين:
أولًا: ضرورة استعمال الحذر في صيانة الأسرار وبذل الوسع في