الصفحة 9 من 27

لطيفًا فيقول: «نزلت في شدة، وأكثرت من الدعاء أطلب الفرج والراحة وتأخرت الإجابة فانزعجت النفس وقلقت. فصحت بها: ويلك تأملي أمرك أمملوكة أنت أم مالكة، أمدبرة أنت أم مدبرة؟ أما علمت أن الدنيا دار ابتلاء واختبار، فإذا طلبت أغراضك لم تصبري على ما ينافي مرادك فأين الابتلاء؟ هل الابتلاء إلا الإعراض وعكس المقاصد؟ فافهمي معني التكليف وقد هان عليك ما عزَّ وسهل ما استصعب، فلما تدبرت ما قلته سكتت بعض السكون.

فقلت لها وعندي جواب ثان: وهو أنك تقتضين الحق بأغراضك ولا تقتضين نفسك بالواجب له، وهذا عين الجهل، وإنما كان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس لأنك مملوكة والمملوك العاقل يطالب نفسه بأداء حق المالك، ويعلم أنه لا يجب على المالك تبليغه ما يهوى. فسكنت أكثر من ذلك السكون.

وقلت لها: عندي جواب ثالث: وهو أنك قد استبطأت الإجابة، وأنت سددت طرقها بالمعاصي فلو قد فتحت الطريق أسرعت، كأنك ما علمت أن سبب الراحة التقوى أو ما سمعت قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [1] و {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [2] ، أو ما فهمت أن العكس بالعكس؟ آه من سكر غفلة صار أقوى من كل سكر في وجه مياه المراد يمنعها من الوصول إلى زرع الأماني - فعرفت النفس أن هذا حق فاطمأنت.

(1) سورة الطلاق، آية رقم (2) .

(2) سورة الطلاق، آية رقم (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت