وغض النظر عن مناقشة ذاك الجواب!
وإنما هذا لأني لما قررت ذاك المعنى أولًا تقريرًا أعجبني صرت أهوى صحته، هذا مع أنه لم يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنت قد أذعتهُ في الناس ثم لاح لي الخدش؟
فكيف لو لم يلح لي الخدش ولكن رجلًا آخر اعترض علي به؟
فكيف لو كان المعترض ممن أكرهه؟
هذا ولم يكلف العالم بأن لا يكون له هوىً؛ فإن هذا خارج عن الوسع، وإنما الواجب على العالم أن يفتش نفسه عن هواها حتى يعرفه ثم يحترز منه ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنه مخالف لهواه آثر الحق على هواه.
وهذا - والله أعلم - معنى الحديث الذي ذكره النووي في «الأربعين» وذكر أن سنده صحيح [1] وهو: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» .
والعالم قد يقصر في الاحتراس من هواه، ويسامح نفسه فتميل إلى الباطل فينصره، وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحق ولم يعاده، وهذا لا يكاد ينجو منه إلا المعصوم.
وإنما يتفاوت العلماء، فمنهم من يكثر منه الاسترسال مع هواه، ويفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس ومقدار تأثير الهوى بأنه
(1) بل ضعيف، فقد رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (رقم: 15) ، والخطيب في «تاريخه» (4/ 369) ، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 212) ، عن عبد الله بن عمرو.
وقد أعله الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (ص: 364 - 365) بثلاث علل فلينظر.