ج ـ لم يذكر الإيجي الآرآ المخالفة له في ذم الكلام، مع أنه في كثير من الأبواب يذكر من يخالفه من الفلاسفة والمعتزلة، ويخالفه أهل السنة والجماعة في تعريف علم الكلام وحكمه، فلماذا هذا التجاهل؟.
وسلفه الأشاعرة حاولوا تأويل الأقوال الواردة عن السلف في ذم الكلام إلى طائفة أخرى غيرهم، مع أنه لازم لهم [1] .
و في هذا التعريف أوهام:
د ـ ظن أهل الكلام أن القرآن الكريم والسنة النبوية خاليان من الأدلة العقلية، قال الإيجي عن علم الكلام:» دلائله يقينية يحكم بها صريح العقل، وقد تأبدت بالنقل» [2] ، وزعم في مواضع أخرى أن الدلائل النقلية لا تفيد اليقين [3] .
والصواب خلاف ذلك، فإن:» في القرآن الدلالة على الطرق العقلية؛ والتنبيه عليها والبيان لها والإرشاد إليها، والقرآن ملآن من ذلك، فتكون شرعية بمعنى أن الشرع هدى إليها، عقلية بمعنى أنه يعرف صحتها بالعقل فقد جمعت وصفي الكمال « [4] .
كما توهم بعض أهل الكلام والفلاسفة أن:» القرآن جاء بالطريقة الخطابية وعرى عن البرهانية أو اشتمل على قليل منها، بل جميع ما اشتمل عليه القرآن هو الطريقة البرهانية وتكون تارة خطابية وتارة جدلية مع كونها برهانية « [5] ، وقد أُفرد مصنف في الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد عند أهل السنة للرد على هذه الأقوال الباطلة [6] .
هـ ـ طغيان الجدل والمراء على العقائد الكلامية، وهو من أعظم أسباب رواج البدع والأهواء والافتراق، وقد جاء النهي عن الجدال والخصومات في الكتاب العزيز والسنّة النبوية الشريفة، وعن الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، قال تعالى {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} (سورة الحج الآية:8) ، وقال - صلى الله عليه وسلم:» أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِم « [7] ، وقد عقد المؤلفون في عقائد السلف بابًا في ذمّ الجدال والخصومات في الدِّين [8] .
والجدال والمِراء سبب تسليم الأشاعرة بأصول خصومهم العقلية من المعتزلة وغيرهم [9] .
أما التعامل مع أهل البدع فقد رسمه السلف ـ رحمهم الله ـ بالسكوت عنهم وهجرهم، ... فهو أشد عليهم من المناظرة لهم، كذا قال السلف الصالح من علماء المسلمين، كما نقله عنهم الإمام الآجري الشافعي [10] ، وأما المناظرة والذب عن الدين فتكون عند الاضطرار [11] .
ي ـ اختلفت تعريفات علم الكلام بين المؤيدين له والمعارضين، فيعرفه بعض المعاصرين مثل وحيد الدين خان بأنه:» أداة مساعدة للدعوه الإسلامية يهدف إلى إبلاغ حقائق الدين بنفس اللغة والمصطلحات التي يأنس بها المدعو في عصره « [12] ، فهو يرى أنه علم وقتى انتهى وقته.
والصواب أنه منهج لدراسة العقيدة، لا زال باقيا إلى اليوم، ومن يعارضه يرى أنه غير صالح في كل الأوقات.
وقد عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية الكلام بأنه:» حقيقة عرفية فيمن يتكلم في الدين بغير طريقة المرسلين « [13] .
وهذا التعريف هو أفضل التعريفات التي أطلقت على علم الكلام، وقد تضمن ثلاث نقاط:
1 ـ أنه حقيقة عرفية، وليس له أصل في اللغة أو الشرع، وهذا صحيح.
فقد اختلف أهل الكلام في سبب تسميته على عدة أقوال ذكرها الإيجي، ولم يجزم بأي منها [14] ،ولم يذكر الأصل اللغوي أو الشرعي لإطلاقه، والحقيقة العرفية: هي اللفظ الذي وضع لغة لمعنى، ولكن استعمله أهل العرف في غير هذا المعنى حتى صار لا يفهم منه إلا هذا المعنى [15] ، والكلام في اللغة هو النطق، لكن تعارف أهل الاصطلاح على أنه إذا أطلق فإنه يراد به هذا
(1) موقف ابن تيمية من الأشاعرة جـ2/ 777 - 782.
(2) المواقف في علم الكلام ص8.
(3) المواقف في علم الكلام ص40.
(4) درء التعارض جـ9/ 39.
(5) مجموع الفتاوى جـ2/ 46 - 47.
(6) مثل الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد تأليف د. سعود العريفي.
(7) أخرجه البخاري في"كتاب التفسير، باب (وهو ألدّ الخصام) "جـ3/ 1368 رقم 4523، ومسلم في (كتاب العلم، باب الألد الخصم) جـ4/ 2054 رقم2668 واللفظ للبخاري، والألد: شديد الخصومة، ألد أفعل تفضيل من اللدد، وهو شدة الخصومة. فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني جـ8/ 238.
(8) مثل الآجري في الشريعة جـ1/ 185، وابن بطة في الإبانة الكتاب الأول الإيمان جـ2/ 483 وغيرهما.
(9) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ 12/ 193.
(10) الشريعة جـ1/ 196، وقد ورد هذا عن جمع من السلف. انظر: نفس المرجع جـ1/ 88 وما بعدها.
(11) الشريعة جـ1/ 197، والإبانة الكتاب الأول الإيمان جـ2/ 531 - 539.
(12) تجديد علوم الدين تأليف وحيد الدين خان ترجمة ظفر الإسلام خان ص59.
(13) مجموع الفتاوى جـ12/ 461.
(14) المواقف ص 8 - 9.
(15) أصول الفقه تأليف د. محمود أبو النور زهيرجـ2/ 44.