فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 25

والسياسة الشرعية النبوية تعلمنا عدم التعنت أو التشبث ببعض المسميات إذا كانت ستتسبب بخسارة المسلمين لشيء من المصالح العظيمة أو إهدار بعض الفوائد المهمة ما دامت معاني تلك الأسماء محفوظة عندنا مصونة غير مفرط بها إن كانت من الدين، فكيف إذا كانت دون ذلك من أسماء موضوعة مستحدثة ليست منزلة ولا هي من أصل الدين أو شعائره .. ومن أوضح الأدلة على ذلك تنازل النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة (رسول الله) في وثيقة صلح الحديبية لما اعترض المشركون عليه وأصروا على أن يكتب (محمد بن عبد الله) فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلبهم وكتب ما أرادوه حرصا على مصلحة الصلح العظيمة التي سماها الله تعالى فتحا مبينا، ودرءا لمفسدة إحباطه.

وإمضاؤه صلى الله عليه وسلم لذلك الأمر وإن استعظمه من استعظمه من أصحابه حتى أبى علي بن أبي طالب أن يمحوه فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم إن عليًا ابتلي بمثله في زمن خلافته فاستفاد من هذا الموقف وتذكره حين اعترض عليه أهل الشام وأبوا أن يكتبوا (أمير المؤمنين) مع اسمه في وثيقة الصلح فقبل بمحوها حتى عاب عليه الخوارج فعلته هذه وقالوا: إن لم تكن أمير المؤمنين فأنت أمير الكافرين فاحتج عليهم بما فعله من هو خير منه في صلح الحديبية ..

فتأمل من ذا الذي يتعنت ويتشدد في مثل هذا ومن يترخص فيه لمصلحة الإسلام وأهله لتعلم أن الترخص فيه لا يعيب أهل الحق وأن التشدد فيه ليس من سيماهم إن كان فيه تضييع لمصلحة ظاهرة أو راجحة، ولا شك أن لفظ (رسول الله) من الألفاظ والأوصاف الشرعية ولكن عدم رضى الكفار بكتابته لعدم إيمانهم به وعدم اعترافهم به؛ لا يغير من الحق شيئا ولا يضر الدين أو ينقصه، فهو رسول الله وإن أبوا، وليس في عدم كتابته في الوثيقة إلغاء أو تنازلا عن هذا الحق .. ثم إن وصف أمير المؤمنين دون ذلك، ودونهما قطعا المسميات المعاصرة التي نحن في صدد الحديث عنها من أسماء تعارف المجاهدون على وضعها يمكن الإستغناء عنها واستبدالها عند الحاجة والمصلحة الراجحة .. وأدلة سد الذرائع أيضا تؤيد هذا وتؤكده .. وتبين أن الفقه كل الفقه في التنازل عن أدنى المصلحتين حفاظا على أعلاهما عند عدم إمكان تحصيل الجميع، واحتمال أدنى المفسدتين درءًا لأعظمهما عند عدم إمكان درئهما جميعا وأدلة ذلك كثيرة معروفة .. تذكّر منها نهي الله تعالى في كتابه عن سب آلهة المشركين إن كان ذلك سيؤدي ويتسبب بسبهم لربنا عز وجل.

ومنها ترك النبي صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم لكون الناس حدثاء عهد بجاهلية .. ومنها تركه قتل بعض المنافقين مخافة أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، أو أن ترعد لهم أنوف في المدينة .. إلى غير ذلك من الأدلة المعروفة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت