فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 25

سلسلة أسئلة من النوازل [3]

إجابة السائل

في أسئلة من النوازل

للشيخ

أبي محمد المقدسي

فك الله أسره

1434 ه > 2013 م

بسم الله الرحمن الرحيم

ج 8 - الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه ... وبعد

فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليهو سلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالاة وكل ضلالة في النار وخير السيرة سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأي عمل لم يعملوه فنحن نقول عكس ما قاله الكفار حين قالوا: (( لو كان خيرا ما سبقونا إليه ) )فنقول: لو كان خيرا لسبقونا إليه وذلك لأنهم كانوا أتقى منا وأحرص على الخير وأسرع مسابقة إليه وكان فيهم رسول الله صلى الله عليهو سلم وما من خير إلا ودلهم عليه وما من شر إلا وحذرهم منه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ومعلوم أن مثل هذا العمل المسؤول عنه لم يكن من عادته صلى الله عليه و سلم، فقد قتل خيار أصحابه كعمه حمزة ومصعب بن عمير وجعفر بي أبي طالب وسعد بن معاذ وغيرهم ممن شهد لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالجنة ومع ذلك لم يقم لهم عرسا للشهادة ولا احتفالا جمع فيه الجموع ولا أمر أهلهم أن يصنعوا للجموع طعاما ولا قدم الحلوى ولا غيرها ... وهذا معلوم من سيرته صلى الله عليه و سلم ..

وكذلك أصحابه من بعده وخلفاؤه الراشدون لم يفعلوا شيئا من ذلك ولو فعلوا لاشتهر ولنقل إلينا .. وهم القوم لا يشقى تابعهم، بل قد عد العلماء الاجتماع عند أهل الميت وصنعة أهل الميت الطعام من بدع الجنائز ... قال شيخ الاسلام في الفتاوى كتاب الجنائز: (وأما صنعة أهل الميت طعاما يدعون الناس اليه، فهذا غير مشروع، وإنما هو بدعة، بل قد قال جرير بن عبد الله(كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعتهم الطعام للناس من النياحة) .

وإنما المستحب إذا مات الميت أن يصنع لأهله طعام كما قال النبي صلى الله عليه و سلم لما نعي جعفر بن أبي طالب (اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم مايشغلهم) ويشهد لحديث آل جعفر الذي تكلم فيه بعضهم ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عناها (أنها كانت اذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا اهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ... الحديث) ففيه أن طبخها لأهل الميت وخاصته وليس لمن يجتمع من المعزين .. وفيه أنه لا حرج على أهل الميت لو اجتمع عندهم العدد من الناس يعزونهم من غير ترتيب من أهل الميت وتحديد لأيام ثلاثة أو نحوها ..

أما تسمية هذا التجمع بعرس الشهيد فلان فلا شك انه من المحدثات التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه و سلم مع سادات الشهداء المقطوع لهم بالشهادة والجنة ولو كان خيرا لسبقنا إليه صلى الله عليه و سلم وكونه لم يفعله دليل على أنه لا خير فيه بل فيه مخالفة لما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد والسير (باب لا يقال لفلان شهيد) وذكر فيه حديثين أحدهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم: (الله أعلم بمن يجاهد في سبيله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله) لذلك فالصواب أن لا يجزم بالشهادة لكل مقتول في الجهاد وإن كان مع ذلك يعامل معاملة الشهداء في الاحكام الظاهرة من عدم تغسيله أو الصلاة عليه ودفنه في جراحاته ودمائه لأن أحكام الدنيا يعمل فيها بالظن الغالب أما أحكام الاخرة فلا بد فيها من التوقيف ولا توقيف الا بعد انقطاع الوحي.

وعليه فلا ينبغي تعاطي هذه التسمية (عرس الشهيد) ولا ينبغي القطع بالشهادة والجنة لمن قتل من إخواننا لكن ندعو الله تعالى أن يتقبلهم في الشهداء وأن يعلي درجتهم وأن يجعل مثواهم جنه الفردوس، فهذا هو المشروع وهو الأنفع لنا ولهم، ولئن زار الناس أهل الميت وعزوهم فلا حرج في ذلك كما يدل عليه حديث عائشه المتقدم وغيره لكن لا يحدد لذلك أيام ثلاثة أو تواريخ محددة .. ولا حرج من استغلال مثل هذه التجمعات التي قد تحصل عند مقتل بعض إخواننا للتحريض على الجهاد والحث على الاستشهاد والبذل والتضحية من أجل نصر الدين واستغلال ذلك لذكر فضائل الجهاد وبيان تخاذل الأمة بتخليها عن الجهاد وإن عزها فيه وذلها في تركه، دون استعمال هذه المسميات (عرس الشهيد) أو (عاشق الحور) أو نحوها مما لم يستعمله أو يتعاطاه سلفنا الصالح، وكذلك لا توزع الحلوى فالمقام ليس مقام توزيع حلوى ولم يشرع مثل هذا ولا فعله النبي صلى الله عليه و سلم ولا أصحابه، لكن لو صنع لاهل الميت طعاما فذلك مستحب كما تقدم. فالطبيعي أن يكون أهل الميت محزونين مكلومين مهما كانوا يحبون الجهاد فإنه فراق وفقد للعزيز.

والأصل أن يجمع المرء في هذا المقام بين مقام الرضى بقضاء الله تعالى ومقام الرحمة للوالد أو الولد أو القريب أو الصديق المفقود.

وهذا هو أكمل الهدي وهو هدي النبي صلى الله عليه و سلم فلقد حزن لمقتل عمه حمزة ولم يوزع الحلوى أو يظهر الفرح مع جزمه بأنه سيد الشهداء، وكذلك حزن لموت ابنه ابراهيم ودمعت عيناه ولكنه لم يقول إلا ما يرضي الرب تعالى، فهديه صلى الله عليه و سلم أكمل الهدي .. جامع بين الرضى بالخالق والرحمة بالخلق ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت