-فطائفة منهم يكفرونهم بأعيانهم بمجرد سماع أقوالهم، ولا يعذرونهم، ولذا أفتوا بأن نساءهم طوالق وحرموا ذبائحهم ورتبوا عليهم أحكام المرتدين.
-وطائفة يكفرونهم كطائفة ويغلظون القول فيهم إلا أنهم لا يكفرونهم بالأعيان لأنهم يرون أن فتنتهم هذه من المسائل التي تحتاج إلى إقامة حجة وبيان قبل تكفير القائل بها بعينه ..
ومع هذا فكلا الطائفتين ينهون عن الصلاة خلفهم، ويفتون من صلى خلفهم لخوف ضرر أو فتنة أو أذى بالإعادة ..
وقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ممن يرى رأي الطائفة الأخيرة فيهم ..
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (23/ 348) :(لا يختلف قوله - أي الإمام أحمد- أنه لا يكفر المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، ولا يكفر من يفضل عليا على عثمان، بل نصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم، وإنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق، وكان قد ابتلي بهم حتى عرف حقيقة أمرهم وأنه يدور على التعطيل، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة.
لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية؛ أن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة وغير ذلك، ويدعون الناس إلى ذلك، ويمتحنونهم ويعاقبونهم ... الخ ومع هذا فالإمام أحمد - رحمه الله تعالى- ترحّم عليهم واستغفر لهم لعلمه أنه لم يتبيّن لهم أنهم مكذّبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا وقلدوا من قال لهم ذلك)أهـ ص349.
ولأجل ذلك لما اجتمع إليه فقهاء بغداد في ولاية الواثق وقالوا: (إن هذا أمر قد تفاقم وفشى - يعنون إظهار القول بخلق القرآن- نشاورك أنا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه؛ قال لهم: عليكم بالنكرة في قلوبكم، ولا تخلفوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين .. ) [1] وكان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين .. وهذا يدلك أنه لم يكن يكفره بعينه [2]
(1) أنظر الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي ص21 وذكر ذلك من رواية حنبل.
(2) ومنه تعلم أن استدلال أفراخ المرجئة ومخانيث الجهمية بكلامه في منع الخروج على الحكام، وتنزيله على طواغيت الحكام في زماننا؛ هو من طريقتهم في لبس الحق بالباطل، لأن الإمام أحمد كما عرفت لم يكن يكفر أئمة زمانه حتى يلحق الموقف من طواغيت زماننا بموقفه من حكام زمانه.