هذا مع أنه كان يقول في أمثاله من الخلفاء كما في رواية حنبل: (وأي بلاء كان أكبر من الذي أحدث عدو الله وعدو الإسلام: من إماتة السنة) (وكان إذا ذكر المأمون قال: كان لا مأمون) [1] فلا تختلط عليك هذه الإطلاقات ويروّج عليك بها المتلاعبون أن أحمد كان يكفرهم بأعيانهم ثم يفرعون على ذلك ما يشتهون من فروع فاسدة ..
بل الصواب أنه كما - ذكر شيخ الإسلام وغيره- لم يكن يرى كفر جميع الجهمية بأعيانهم بل يفرّق بين من قامت عليه الحجة ومن لا شعور له بذلك، وبين المسائل الظاهرة والمسائل المشكلة أو المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما كان يفرق بين الداعية وغيره ..
-(سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عما أورده بعض الملحدين أنه نسب عن شيخ الإسلام أنه ذكر عن الإمام أحمد أنه كان يصلي خلف الجهمية .. الخ ..
فأجاب: هذا لو سلم من أوضح الواضحات عند طلبة العلم وأهل الأثر .. وذلك أن الإمام أحمد وأمثاله من أهل العلم والحديث لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة .. [إلى قوله:] .. والصلاة خلفهم لا سيما الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة خلف غيرهم. والرواية المشهورة عن الإمام أحمد هي المنع من الصلاة خلفهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها وبين من لا شعور له بذلك وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي يخفى دليلها على بعض الناس وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة وظهر الدليل وعرفوا ما عليه أهل السنة واشتهرت الأحاديث النبوية وظهرت ظهورًا ليس بعده إلا المكابرة والعناد وهذا حقيقة الكفر والإلحاد ...
إلى قوله: وأهل العلم متفقون على .. أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره وقد صرح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كانت لديهم شوكة ودولة والنصوص في ذلك معروفة مشهورة) أهـ [2]
(1) المرجع السابق ص20.
(2) ومن هذا يتأكد لك السبب الذي لأجله كان الإمام أحمد لا يرى الخروج عليهم، وأن مقارنة حاله بحال كثير من المفتونين من علماء السلطة في هذا الزمان حيف وجور وظلم، إذ فتنتهم كما نصوا في مذاهبهم كانت في مسائل قد تلتبس وتخفى فيها الأدلة على بعض الناس ولذلك يحتاج فيها إلى إقامة الحجة والبيان .. أما الكفر البواح المستبين الذي يعلن به الطواغيت بألوان وأشكال مختلفة اليوم من تشريع مع الله ما لم يأذن به الله، بل وتوزيع لصفة التشريع وصلاحياته القانونية!! على من شاءوا من أذنابهم وأربابهم، وطاعة واتباع للأرباب المشرعين الدوليين والإقليميين والمحليين، وتولي لأعداء الله ومحاربة لدين الله وأوليائه، وغيره مما لا يسعنا حصره من الكفر الواضح والذي لا تخفى مخالفته ومضادته للتوحيد الذي بعثت به الرسل حتى على اليهود والنصارى، ومع هذا كله فكل أحد يعرف أن الإمام أحمد ومع أن أئمة زمانه كانوا يحكّمون شرع الله والفتوحات ممتدة في زمانهم شرقًا وغربًا، ما كان رحمه الله يقف على أبوابهم ولا يقبل منهم عطاء فضلًا عن ولاية أو منصب، وربما كان يستعير الشيء من منازل بعض أولاده؛ فلما قبل بعض أولاده شيئًا من مال السلطان وكان ذلك زمن المتوكل الذي أظهر السنة وفرّج عن الناس، امتنع رحمه الله من أن يستعير منهم شيئًا، حتى إنه وصف له في مرضه قرعة تشوى فشويت في تنور ابنه صالح، فعلم بذلك فلم يستعملها (السير 11/ 272) ومثل هذا كثير، ولأجل ذلك لما توفي رحمه الله أبى أولاده أن يكفنوه في كفن بعثه السلطان إليهم؛ فردوه عليه وقالوا: إن أمير المؤمنين قد أعفى أبا عبد الله في حياته مما يكره ولا نحب أن نتبعه بعد موته بما كان يكره، وكفنوه بثوب غزلته جاريته له (11/ 338 السير) لمعرفتهم أنه يتحرز من ذلك، وحاولوا ممانعة الوالي من التقدم والصلاة بالناس عليه، ولكنهم غلبوا على ذلك لمحل الإمارة وكان حشدًا مزدحما فلم يعرف الناس من صلى بهم عليه فلما كان في الغد علموا فجعلوا يجيئون ويعيدون الصلاة على القبر (السير 11/ 338 - 339) ... فهل ثم وجه شبه في طريقة هذا الإمام مع حكام زمانه وقد عرفت حالهم، من طرائق علماء الفتنة ومشايخ السوء وسدنة السلاطين وعبيد الطاغوت مع حكام زماننا المرتدين الذين لا يخفى كفرهم إلا على من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم، هل ثم وجه شبه ليقايس القوم حاله بأحوالهم المنحرفة .. ؟؟ لكن: إذا لم تستح فاصنع ما شئت .. !