الصفحة 108 من 152

والحق الذي يحيدون عنه ولا يجيبون به لأنهم يعرفون ما يلزمهم منه، أن يقولوا: لا، وحاشاهم من ذلك .. فما هذا من فعل أهل العقول السليمة فضلًا عمن اهتدى بنور التوحيد وعرفه واجتنب ظلمات الشرك والتنديد ..

فيقال لهم: فإذا كان من نسب لنفسه شيئًا من صفات النبوة لا يحل لمسلم موحد أن يظهر الرضى عنه أو الإقرار لباطله، وتنفر النفوس من النيابة عنه في أمر الدين الذي يسعى في تحريفه، أو أن يقتدي به أو يصلى خلفه أو خلف أوليائه .. فكيف بمن نسب لنفسه شيئًا من خصائص الألوهية وصفات الله جل ذكره، فجعل السلطة التشريعية من اختصاصاته وصلاحياته هو وأذنابه من الشركاء الذين يوزع عليهم تلك الصفة، ويعطيها الصبغة القانونية النافذة ويلزم الناس اتباع كل ما يشرعوه من الدين الذي لم يأذن به الله، ويجعله شرعًا ومنهاجًا ودينا لازمًا يعاقب ويسجن على مخالفته وتركه، بل يقتل النفوس المحرمة ويهدر الدماء المعصومة لأجل الكفر به والبراءة منه ومحاولة هدمه والسعي في تغييره .. ؟؟

أقول:

ولذلك لم يناقش السلف مثل هذه المسائل .. أعني الصلاة خلف المرتد، أو مدعي النبوة أو الألوهية ونحوه من الكفر البواح أو حكم تولي الولايات الدينية لأمثالهم ..

وما ذلك إلا لأن الأمر عندهم من البدهيات التي لا تحتاج إلى بيان أو نقاش .. إذ ليس للمرتد وأوليائه وأنصاره عندهم إلا حكمًا واحدًا ألا وهو القتل (من بدل دينه فاقتلوه) [1] ومن كان هذا حكمه عندهم، فلا سبيل لذكر مثل تلك التفريعات في شأنه ..

أما نحن فما دعانا لذكرها والكلام فيها إلا أن الردة اليوم أمست دولًا وطوائف تغلبت وحكمت وصار لها مشايخ وعلماء يدافعون عنها ويجادلون عن باطلها، وعايشها الناس في ظل عدم وجود دار إسلام أو إمام قوّام، فولدوا فيها ونشأوا وشبّوا وشابوا؛ فارتضاها وارتضى أهلها ومشايخها وعلماءها طوائف منهم .. فأفرزت هذه الأوضاع الشاذة مثل هذه التناقضات والتساؤلات التي ينبغي أن تكون معرفة أجوبتها في الحقيقة من بدهيات الدين .. ولكن لما طال الأمد على الناس في ظل هذه الردة المعاصرة انقلبت موازينهم فأصبح المعروف عندهم منكراَ و المنكر معروفًا والحق باطلا والباطل حقاَ والسنة بدعة والبدعة سنة هرموا فيها وتوارثوها وتواطؤوا واصطلحوا عليها .. فكان لزامًا علينا أن نخوض فيها ونبينها .. وإلا فهي عند أصحاب الفطر السليمة التي لم تتأثر بهذه الإنحرافات؛ من أوضح الواضحات .. ومن يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فما له من هاد ..

(1) رواه البخاري من حديث ابن عباس، ورواية مالك في الموطأ (من غيّر دينه فاقتلوه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت