الصفحة 113 من 152

وقال (8/ 292) : (وقد ذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن أبي عبيد وكان يظهر التشيع ويبطن الكهانة، وأسر إلى أخصائه أنه يوحى إليه، ولكن لا أدري هل كان يدعي النبوة أم لا - وذكر كرسيه الذي ضاهى به تابوت بني إسرائيل- ثم قال: ولا شك أنه كان ضالًا مضلًا أراح الله المسلمين منه بعدما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين كما قال تعالى:(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وأما المبير؛ فهو القتال وهو الحجاج بن يوسف الثقفي نائب العراق لعبد الملك بن مروان الذي انتزع العراق من يد مصعب بن الزبير) أهـ [1]

* إذا عرفت هذا وتبين لك حال المختار هذا؛ وأنه قد تدرّج من الستر والصلاح؛ إلى النصب فالتشيع فطلب الإمارة وإظهار طاعة ابن الزبير تارة والدعوة إلى الأخذ بثارات الحسين وأهل بيته وتتبع قتلته تارة أخرى، والدعوة إلى محمد بن الحنفية ثم الخروج على ابن الزبير ثم في خاتمة المطاف لما طغى وتجبر ادعى علم الغيب وأن الوحي يأتيه ..

فعلى من ينسب إلى الصحابة الصلاة خلفه، أن يحدد لنا في أي مرحلة كانت صلاتهم تلك، بالدليل، وليس بمحض التحكم العقلي ..

وإذ لم يحدد التاريخ ليثبت أنهم قد صلوا خلفه حال ادعائه علم الغيب والوحي؛ فستبقى دعواهم احتمالا (والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال) ..

وهذا تنزلًا مع الخصوم ومداراة لهم لبيان فساد دعواهم وضعفها، وإلا فليس في قول أو فعل من هو دون النبي صلى الله عليه وسلم حجة في دين الله، كائنا من كان القائل أو الفاعل .. وليس هذا بتنقص ولا طعن في الصحابة الكرام كما يظن كثير من الجهال .. بل هو ورب الكعبة حفظ لقدرهم وجلالتهم، وإنما المتنقص لهم في الحقيقة من يكذب عليهم وينسب إليهم أو يقوّلهم ما لا يرتضونه أو يدينون به فيزعم أن أفعالهم دليل أو حجة أو تشريع في دين الله ..

ولذلك اشتد نكير ابن عباس وغضبه لما كان يحتج على بعض الناس بالأدلة فيحتجون عليه بقول أبي بكر وقول عمر وقال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر، وعمر)

وعلى كل حال فنحن ننزه الصحابة من أن يقتدوا في الصلاة بكافر كذاب يدعي علم الغيب فهم أجل عندنا من أن يفعلوا مثل ذلك، ومن نسب إليهم مثل ذلك فهو متنقص لهم متقول عليهم بلا دليل صحيح، ولو ثبت الدليل بأنهم صلوا خلف المختار فمن حسن الظن بهم أن يحمل ذلك على أنهم فعلوه قبل أن يظهر كذبه ويجاهر بكفره .. وكل هذا دليل على إجلالنا للصحابة واحترامنا وتقديرنا لهم مع اعتقادنا أنهم بشر ليست لهم العصمة، ويجوز عليهم الخطأ ..

(1) وقد ذكر ابن كثير (289/ 8) أن مصعبًا لما قتل المختار أمر بكفه فقطعت وسمّرت إلى جانب المسجد فلم تزل هناك حتى قدم الحجاج فسأل عنها فقيل له: هي كف المختار، فأمر بها فرفعت لأن المختار كان من قبيلته، ولهذا أخذ الحجاج بثأره من ابن الزبير فقتله وصلبه شهورًا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت