*وإنما المعنى المعتبر في هذا، أنه عند وجود الإمام القوام على أهل الإسلام فإن صلاة الجمعة حينئذ تكون من الولايات الدينية التي يختص بها الإمام .. فإما أن يؤم فيها هو .. أو يُنيب عنه من يرى و يختار من الولاة أو القضاة أو العلماء أو غيرهم من أهل الفضل والدين ..
فالمعنى أن إذنه ورضاه واجب عند وجوده .. وليس هو بشرط في صحة الصلاة .. إذ ليس كل واجب شرط ..
وإنما اعتبر أهل العلم رضاه وإذنه ها هنا لأن هذه عبادة من العبادات الدينية التي ترتبط باجتماع عدد كبير وجمع غفير ولذلك ألحقوا بها في الذكر الأعياد والحج وكذلك الجهاد .. وفرقوا بينها وبين العبادات التي لا تتعلق باجتماع كالأذان وعقد الجماعات فيما عدا الجمعة من الصلوات ... [1]
(ولذلك أمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة أبا بكر رضي الله عنه على الحجيج، ثم استمرت تلك السُنّة في كل سنة فلم يخل حج عن إمام أو مستناب من جهة إمام، ولذلك صدّر الخلفاء الأمراء وذوي الألوية بإقامة الجمع، فإنها تجمع الجماعات، وهي إن لم تُصَن عرضة الفتن والآفات) [2]
وقال القاضي أبو يعلى الفراء (في الأحكام السلطانية) : [أما المساجد السلطانية: فهي الجوامع .. وما عظم وكثر أهله، من المساجد التي يقوم السلطان بمراعاتها، فلا يجوز أن ينتدب للإمامة فيها إلا من يندبه السلطان لها، لئلا تفتات الرعية عليه فيما هو موكول إليه[3] .
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية مهنا، وقد سأله: هل يُجمع القاضي إذا لم يخرج الوالي؟ فقال: (إذا أمره، فإن لم يأمره لا يخرج إلا بإذنه) ]. أهـ ص94
(1) انظر (غياث الأمم في التياث الظلم) 198 - 199 وبقية الكلام: (فأما ما يتعلق بشهود جمع كبير، فلا ينبغي للإمام أن يغفل عنه، فإن الناس إذا كثروا عظم الزحام، وجمع المجمع أخيافًا وألف أصنافًا خيف في مزدحم القوم أمور محذورة) أهـ. ويطرح في هذا السياق دوما موضوع (لا جهاد إلا بإمام) فهذه الشبهة مبعثها الفهم الخاطيء لقول بعض أهل العلم؛ أنه لا يقاتل العدو دون إذن الإمام، فذلك إنما يقال حال وجود الإمام لأن من اشترط ذلك رأى أن في إعلان الجهاد والقتال افتئات على حق الإمام ووظيفته، لا أنه في حال غياب الامام يتعطل الجهاد فهذا باطل كيف ونحن نقاتل لغايات منها العمل لأجل تنصيب الإمام، وأبطل من ذلك من ينيط هذا الحق (اعلان الجهاد) بكفرة الحكام لأنه يراهم بنظره الزائغ أئمة وولاة شرعيين!
(2) المرجع السابق، الموضع نفسه من فصل [نظر الإمام في فروع الدين] .
(3) وانظر أيضا (الأحكام السلطانية) للماوردي، الباب التاسع (في الولايات على إمامة الصلوات) ص100، فإنه نسخة عنه، إذ أحدهما ناقل عن الآخر.