وقال ابن عبد البر في التمهيد (10/ 288) : (وقد ذكرنا في باب حديث ابن شهاب عن عبيد الله عن جماعة من التابعين أن الحدود والجمعة إلى السلطان، ولا يختلف العلماء في أن الذي يقيم الجمعة السلطان وأن ذلك سنة مسنونة) أهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (جـ35/ص38) : (ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر خلفائه الراشدين ومن سلك سبيلهم من ولاة الأمور في الدولة الأموية والعباسية أن الإمام يكون إمامًا في هذين الأصلين جميعًا: الصلاة والجهاد فالذي يؤمهم في الصلاة يؤمهم في الجهاد، وأمر الجهاد والصلاة واحد في المقام والسفر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استعمل رجلًا على بلد: مثل عتاب بن أسيد على مكة وعثمان بن أبي العاص على الطائف وغيرهما: كان هو الذي يصلي بهم ويقيم الحدود ... الخ) وقال: (وكذلك كان أمراء(الصديق) كيزيد بن أبي سفيان وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص وغيرهم، أمير الحرب هو إمام الصلاة ... ) أهـ. من الموضع نفسه.
ولذا كان المتولي لمثل هذه الولايات العامة من غير إذن الإمام المسلم القوام على أهل الإسلام لغيرما طارئ أو ضرورة [1] قد شابه الخوارج الذين ينازعون الأئمة ولاياتهم ويخرجون عليهم وعلى طاعتهم دون مبرّر شرعي وهو الكفر البواح، فيأمّرون عليهم أميرًا يسمونه أمير المؤمنين فيجمعون وحدهم ويخطبون لأميرهم .. وينازعون الإمام القوام على أهل الإسلام ولاياته ويطعنون في إمرته ويخرجون من طاعته .. فهذه هي النكتة في اعتبار إذن الإمام، عند من ذكره من أهل العلم والله تعالى أعلم .. ولأجل ذلك كان كثير من علماء أهل السنة يضمنون تلك المعاني كتب العقيدة تمييزًا لطريقة أهل السنة عن طرائق أهل الأهواء من الخوارج وغيرهم ..
انظر على سبيل المثال العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام حيث نص على أن من طريقة أهل السنة المخالفة لأهل البدع: (إقامتهم الحج والجهاد والجمع والأعياد معهم - أي ولاة الأمور - أبرارًا كانوا أو فجارًا) أهـ [2]
ومن قبله قال القحطاني الأندلسي في نونيته التي ضمنها ملخص عقيدة أهل السنة والجماعة ..
والوِترُ بعد الفرض آكد سنةٍ *** والجمعة الزهراء والعيدان
مع كل بر صلها أو فاجر *** ما لم يكن في دينه بمُشان
(1) كأن يتوفى إمام المسجد فجأة فيسد محله إلى أن يولي الإمام خلفه، ونحو ذلك من الطوارئ فإن ذلك لا شك واجب طارئ حتى لا تعطل الجمعة. ومثله الجهاد فلو قتل أمير الجهاد وتعسر الاتصال بالامام تولى أو ولي أنفع الجيش لقيادته في الحرب إلى أن يتصل بالامام فإما أن يقره أو يولي غيره، ولا يعطل الجهاد بقتل الأمير وتعسر الاتصال بالامام، وهذا لا يخالف فيه عاقل، كيف وقد جاء تقريره في السنة كما في خبر غزوة مؤتة ومقتل الامراء الثلاثة المنصوص عليهم وتولي خالد بن الوليد لإمرة الجيش بعدهم دون تنصيص.
(2) معلوم بداهة أنهم لا يدخلون الكفار من ولاة الأمور في ذلك، فالكلام مانع لا يحتاج إلى تعليق.