الصفحة 86 من 152

ولنا ها هنا .. وقفات ..

* أحدها .. تنبيه لبعض من أخطأوا في فهم مقصود أهل العلم في ذكرهم لإذن الإمام في ولاية صلاة الجمعة وخطبتها ونحوها كالعيدين أو الجهاد ..

فقد علمت مما تقدم .. أن المقصود من ذلك ليس هو ربط الفريضة بالإمام بحيث إذا ما عدم الإمام عدمت وألغيت الفريضة كما هو الشأن عند الرافضة .. كلا .. فإنه كما يقول الإمام مالك رحمه الله: (لله في أرضه فرائض لا يقطعها موت الوالي) .

-فالزكاة التي يجمعها الإمام عند وجوده عن طريق نوابه أو الجباة الذين يعملون عندهم ولا ينبغي لأحد أن يفتئت عليه بتولي جمعها وتصريفها من غير إذنه في ظل ولايته ..

ومع ذلك فهي لا تعطل إذا ما عدم الإمام أو أسر أو حصر .. بل يخرجها من وجبت في حقه ويصرفها في مصارفها التي ذكرها الله في كتابه .. ولذلك لم يمتنع عنها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإمام القوام آنذاك) إلا الذين زاغوا من أهل الردة، أما الصحابة فلم يتغير عندهم شيء من الفرائض بوفاة إمامهم، وما لبثوا أن أقاموا خليفة له صلى الله عليه وسلم ..

-وكذلك الأمر بالنسبة لفريضة الجهاد .. ففي غزوة أحد وعندما صاح الشيطان: أن محمدًا قد قتل .. كان قول خلاصة أصحاب رسول الله وعِلْيَتهم: أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى تلحقوا به، أما المنافقون فقد قالوا: قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول .. فنزل قول الله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)

-وكذلك فعل أبو بصير وأبو جندل وعصابتهم من الصحابة الذين عجزوا عن الهجرة والدخول تحت ولاية الإمام وحكمه، وذلك بسبب ما كان من شروط العهد الذي عاهد النبي صلى الله عليه وسلم قريشا عليه .. فلم يمنعهم كونهم ليسوا تحت ولاية إمام أو ليسوا في دار هجرة وتمكين من جهاد الكفار وقتالهم وغنم أموالهم، فكانوا يقاتلون من يظفرون به من الكفار، ويغيرون على قوافلهم ويغنموا ما يقع تحت أيديهم من أموال المشركين .. وما أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قتالهم بلا إمام ولا دار هجرة أو تمكين أو نحوه؛ مما يشترطه الجهال لتعطيل هذه الفريضة العظيمة اليوم .. [1]

(1) أنظر قصة أبي بصير وعصابته في صحيح البخاري كتاب الشروط (باب الشروط في الجهاد .. ) (329/ 5) وفيها أن أبا بصير لم يكن قد دخل تحت ولاية النبي صلى الله عليه وسلم ولا استطاع التحيز إلى بلد الإمام ولذلك لم يغرم النبي صلى الله عليه وسلم دية الرجل العامري الذي قتله أبو بصير ولا أُلزم بقوده من قبل المشركين، وقد أشار ابن حجر إلى هذا في الفتح (351/ 5) وما ذلك إلا لأنهم لم يكونوا تحت ولايته آنذاك، ولو كانوا كذلك للزم النبي صلى الله عليه وسلم دية المعاهد .. وكل هذا يدل دلالة واضحة على جواز قتال الكفار وجهادهم وغنم أموالهم وإن عدم الإمام القوام على أهل الإسلام. ولو كان ذلك منكرًا أو باطلًا لما سكت عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أقره، بل كان ظهر بعد ذلك جليا لكل أحد أنه كان خيرًا ومعروفًا وترتبت عليه مصلحة عظيمة وهي إلغاء قريش لذلك الشرط الذي كان يحول بين المؤمنين وبين الهجرة والتحيز إلى بلد الإمام ..

وإني لأعجب كل العجب من أقوام من الخوالف يفرّقون بين فرائض الدين بغيرما دليل، فيشنّعون على من اشترط وجود الإمام في الجمعة والعيدين ويبدّعونه ويخطئونه ويشبهونه بالروافض، بينما هم أنفسهم يشترطون مثل ذلك الشرط في الجهاد، فلا جهاد عندهم ولا قتال ما عدم الإمام والمخالف لهم في هذا مبتدع ضال، بل تكفيري خارجي .. ومعلوم أن هذا أيضا مذهب الروافض قبل أن يبتدع لهم الخميني ولاية الفقيه ..

إن عشت سوف ترى منها عجائبها *** إن كان قلبك حيًا غير مفتون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت