فقال: أليس قد صلى علي بن أبي طالب بالناس وعثمان محصور.
ثم قال أبو عمر: قد ذكرنا أن حديث أبي عبيد مولى ابن أزهر [1] أصل في هذه المسألة وإن كان ذلك في صلاة العيد، والأصل في ذلك ما فعله المسلمون يوم مؤتة لما قتل الأمراء وأجمعوا على خالد بن الوليد وأمروه، وأيضًا فإن المتغلب والخارج على الإمام تجوز الجمعة خلفه فمن كان في طاعة الإمام أحرى بجوازها خلفه] أهـ [2]
* ونقول في الوقفة الثانية:
قد عرف الموحد فيما مضى أن المتولي للطاغوت ولاية دينية بأمره وإذنه، هو في الحقيقة التي يجهلها أكثر الناس اليوم؛ نائب عنه في ولايته الباطلة على دين المسلمين، مختارًا دون إجبار أو إكراه بل بكد وتعب واستشراف وخوض للاختبارات التي يضعها ولاة الطغاة لنوال مثل تلك الولايات، فإقرار هذا النائب للطواغيت على ولايتهم على دين المسلمين بعمله هذا، وقبوله منهم تلبيس عظيم على العوام وتمويه شديد على الطغام، الذين يجب أن يُدعون أول ما يدعون إلى الكفر بالطاغوت واجتنابه .. ويؤمرون أول ما يؤمرون بالبراءة منه وبغضه ومعاداته هو وأوليائه وأنصاره .. (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) فأظهروا طاعته واختاروا النيابة عنه في هذه الولاية .. وقد أمروا أن يكفروا به ويبرؤوا منه ويعادوه ..
ومثل هذا الأمر لولا استضعاف المسلمين ولولا أن الديار ديار كفر ولا دار إسلام يمكن للمسلمين الهجرة إليها لكان متولي مثل هذه الولايات مجروح في دينه وليس بمستور، ولكن لما كان لا بد للمسلمين في ظل هذا الواقع الذي يعيشونه من إقامة الجمعة والجماعة، كان متولوا ذلك لا يستوون فمن سدد وقارب منهم وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر قدر الامكان؛ ليس كمن تعصب لهذه الولاية وامتنع بها وبقوانينها عن الحق وصد عن سبيل الله وعامل الحكام وأنزلهم منزلة ولاة أمور المسلمين الذين كان أهل السنة فيما مضى يرون الصلاة والحج والجهاد خلفهم وبإذنهم، فلا يخرجون عليهم ولا ينزعون يدًا من طاعتهم فجارًا كان أولئك الأمراء أم أبرارًا مخافة الإفتئات على ما هو من حقوقهم أو إثارة الفتنة دون مبرر من كفر بواح فيقعوا بذلك فيما وقعت فيه الخوارج ..
بل بلغنا عن بعض أرباب هذه الولاية في بعض البلدان أكثر من ذلك فذكر لنا أنهم لا يتولون وظيفتهم هذه إلا بعد أن يوقّعوا على تعهد بأن يتعاونوا مع مخابرات أو مباحث الطاغوت والجهات المختصة إذا ما رأوا أو سمعوا بشيء يضر بالطاغوت أو بنظامه .. فهم بذلك لهم جند محضرون .. ومثل هؤلاء إن وصل بهم الأمر إلى هذا الحد لم تجز الصلاة خلفهم ولا نعمة ولا كرامة لتقديمهم وإمامتهم ..
(1) أي حديث صلاة علي بالناس وعثمان محصور.
(2) التمهيد 10/ 288.