فهؤلاء في حقيقتهم ولاة الطاغوت ونوابه على الحقيقة وهم بدون هذه الوظيفة الزائدة التي يمارسونها في بعض البلدان؛ يقارفون منكرا عظيما بإقرارهم ولاية الطاغوت على دين المسلمين، وجدالهم عنها وصدهم للدعاة عن فضحها وإظهار البراءة منها؛ ويعملون على تقرير ولاية الطواغيت على المسلمين ونشر ذلك بين الناس .. فهذه هي حقيقة وواقع هذا الصنف من نواب الطواغيت في مثل هذه الولايات .. بل ويشارك في نشر هذا المنكر العظيم وتقريره أيضا كل من جادل عن هؤلاء النواب، ونزّل فيهم كلام الأئمة في الصلاة خلف مستور الحال، أو استشهد بكلام العلماء في الصلاة والحج والجهاد خلف البر والفاجر من الأمراء، وطعن على من ترك الصلاة خلفهم وبدّعه وشبهه بأهل الأهواء .. إذ هذا في الحقيقة من القياس المنتن الذي يسميه ابن حزم بقياس الضراط [1] .. لأنه قياس لطريقة السلف في النفرة من منازعة الولاة المسلمين - وإن جاروا- وعدم الإفتيات على حقوقهم وولاياتهم، وتشبيهها زورا بطرائق المفتونين والضلال مع الطواغيت ونوابهم المجادلين عنهم وعن ولاياتهم الدينية الباطلة ..
فيقابل ويشبه الطواغيت ونوابهم بالأمراء المسلمين الأبرار، أو قل على أقل الأحوال الفجار [2]
ويرقّع للمتابع المجادل عن هؤلاء الطواغيت والمقر لهم في ولايتهم على دين المسلمين والمتواطىء معهم على هذا الباطل والتلبيس العظيم، ويشبهه بالسلف الذين كانوا لا ينازعون الأئمة المسلمين ونوابهم ولاياتهم ولا يخرجون عن طاعتهم ..
ويشبه الموحدين المجتنبين للطواغيت الكافرين بشركهم المتبرئين من إفكهم وزورهم وولايتهم؛ بتركهم الصلاة خلفهم وخلف أوليائهم وطعنهم في ولايتهم ومنازعتهم ويساويهم بالخوارج الضلال الذين كانوا ينازعون أمراء الإسلام ولاياتهم وحقوقهم الشرعية .. هذا هو حاصل هذا القياس الفاسد، وهذه هي ثمرته المنتنة وأركانه المتهافتة .. قياس الطواغيت على أئمة الإسلام، وقياس أوليائهم ونوابهم وأتباعهم على السلف الصالح .. وقياس الموحدين الكافرين بالطواغيت على الخوارج المكفرين للمسلمين .. وتنزيل كلام أهل العلم في غير منزله .. وكفى بذلك تلبيسًا عظيمًا وإفكًا مبينًا ..
(1) بل هو شر منه وأخبث، لأن ذلك كان حول قياس الأحناف للخروج من الصلاة بالضراط في التشهد الأخير، على الخروج منها بالسلام، وهذا على فساده فهو في فرع من الفروع الفقهية .. أما ما نحن في صدّه وردّه ها هنا فقياس المسلمين الموحدين على الطواغيت الملحدين ..
(2) وهذا يلزم منه ويترتب عليه ليس فقط الصلاة خلفهم، بل والجهاد وسائر الفرائض التي هي من الولايات السلطانية عند أهل الإسلام .. ولذلك فإنك ترى أن أهل هذا القياس الفاسد أكثرهم من المفتونين الذين لا يتحرجون من المشاركة بجيوش الطواغيت والقتال تحت راياتهم والدفاع عن عروشهم وحكوماتهم .. فهذا كله عندهم من الجهاد خلف الأمراء أبرارًا أو فجارًا .. فتأمل هذا لتعرف غربة الإسلام على الحقيقة، وتحمد إلهك على نعمة التوحيد والهداية والإسلام.