فهل يعقل إذا لم يقدر المسلمون على الموقف الحق من كفرة الحكام، أن يبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم، فيركنوا إليهم ويتابعونهم ويولونهم صلاتهم أو يتخذون أولياءهم أئمة وقدوة .. ؟ [1]
أليس دون المنازعة والقتال مرتبة وضعها الله تعالى للعاجزين عن ذلك وهي الهجرة؛ وإذ لم تتوفر دار إسلام يهاجر ويأوي إليها المسلم؛ فإن عليه هجرة أخرى واجبة في كل زمان ومكان، هي هجرة ما نهى الله عنه. فقد جاءنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( .. المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) [2]
وقد نهينا في ديننا أن نتأسى أو نقتدي أو نتابع أئمة الضلالة والطواغيت وأوليائهم، وقد عرفت أن من تابعهم في الدنيا فإنه سيتبعهم يوم القيامة حيث سيورد كل إمام ضلالة أتباعه النار ..
كما أننا لم نؤمر بالنيابة عنهم في باطلهم وإفكهم أو بمتابعة نوابهم الذين يتولونهم .. بل الذي أمرنا به في محكم التنزيل نحن ونبينا صلوات الله وسلامه عليه هو التأسي والاقتداء بإمام الحنفاء إبراهيم ومتابعته هو والذين معه وعلى طريقته من المرسلين والحواريين والأنصار؛ وهو الكفر بأئمة الضلالة والبراءة منهم ومن أوليائهم ومما يعبدون من دون الله .. قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة4]
وذروة سنام هذه البراءة وأعلى مراتبها كما هو مقرر في ديننا جهاد أئمة الكفر وأوليائهم والاجتهاد في هدم الطواغيت وأديانهم الباطلة، فإن عجزنا عن هذه المرتبة العلية في وقت من الأوقات؛ وجب مداومة تحديث النفس بها وذلك بالإعداد والتهيئ لها، ودونها مرتبة أخرى لا تسقط عن أحد، ومن أسقطها، فالهلاك الهلاك؛ لأنه قد فرط بالعروة الوثقى التي عليها مدار النجاة .. وهذه المرتبة: هي اجتناب الطواغيت وأئمة الكفر واعتزالهم هم وأوليائهم وما يعبدون من دون الله .. فذلك ما بعثت به الرسل كافة وأُمِر به الموحدون من قبلنا قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) .
وقال سبحانه عن إمام الحنفاء: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)
وقال جل ذكره: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)
(1) من المفيد أن يراجع الموحد في هذا الموضع ما ذكره أهل العلم في كتبهم في مثل هذه الأحوال عند خلو الزمان من إمام قوام لأهل الإسلام، فانظر على سبيل المثال ما فصّله الجويني في الغياثي، حيث ذكر عند شغور الزمان من وال؛ ما يكون أمر القيام به للناس، وما هو موكول إلى العلماء، وما هو حق على سكان كل أهل بلد فعله، ومن يتولى ولاية النكاح والأموال ونحوها .. أنظره ص385 وما بعدها .. ولم يذكر لا هو ولا غيره من أهل العلم أن ولاية شيء من ذلك موكول إلى الطواغيت وأئمة الضلالة أو نوابهم عند شغور الزمان من إمام قوام لأهل الإسلام .. وإنما يذكر ذلك أفراخ التجهم ومخانيث المرجئة.
(2) رواه الإمام أحمد وغيره ..