وقال عن الفتية الموحدين الذين فروا بدينهم إلى الكهف ولم يتابعوا أئمة الضلالة: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ)
ومن اعتزالهم واعتزال ما يعبدون أن لا يتابع تشريعاتهم أو شيئًا من باطلهم، وألا يتحاكم إليهم أو يُسلم ذراريه إليهم أو إلى أوليائهم ليحرفوهم عن ملة التوحيد إلى ملة الشرك والتنديد .. ومن ذلك أيضا أن لا نأمنهم على شيء من ديننا فلا نتابعهم مختارين غير مكرهين، أو نقتدي بهم أو بأوليائهم في الصلاة .. فبدّل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فاقتدوا بهم وتابعوهم وأمّنوهم على دينهم وعلى ذراريهم، وأشربت قلوبهم هذا الباطل العظيم والإفك المبين واستمرؤوه وتواطؤوا عليه؛ حتى صار عندهم معروفًا، وأصبح الموحد المتبرّء منه فيهم غريبا وتوحيده مستنكرًا فإنا لله وإنا إليه راجعون ..
أما نحن ولله الحمد على هدايته وتوحيده .. بعد أن رأينا من القوم كفرًا بواحًا مختلفًا ألوانه، وأظهروا شركًا مبينًا أوضح من الشمس في رابعة النهار [1] فإنا نسلك فيهم طريق الأنبياء والموحدين من قبلنا فنتقرب إلى الله بمقتهم وبكل ما فيه إسخاط لهم، أو منازعة في أمرهم فنكفر بهم ونبرأ من شرعهم ودينهم الباطل، ونستنقذ ذرارينا من براثن ذئابهم وأوليائهم الضالين، ولا نتحاكم إليهم ولا إلى شرائعهم التي تضاد شرع الله؛ بل نتباعد عنهم في كل شيء قدر وسعنا، فلا نؤدي إليهم زكاة أموالنا، لأن الله نهانا في محكم التنزيل أن نؤتي السفهاء أموالنا، وهذا في السفاهة الصغرى وهي ضعف التدبير والإدراك فكيف بالسفاهة الكبرى التي هي الإعراض عن ملة إبراهيم والتزام ملة الطواغيت .. فنخرجها إلى أهلها مباشرة .. وننظر بعين الريبة والحذر وعدم الثقة إلى كل ما يأتي منهم أو يصدر عنهم، ومن تمام براءتنا منهم وكفرنا بباطلهم أن لا نوليهم شيئا من أمر ديننا .. ولذا فنحن لا نتابعهم ولا نقتدي بأوليائهم في جمعة أو جماعة أو عيد أو غير ذلك بل نعتزلهم في ذلك كله، ونسعى جاهدين إلى جهادهم وهدم شركهم ومنازعتهم في أمرهم كله ليهدم الطاغوت ويعبد الله وحده .. هذه طريقتنا وهذا سبيلنا، إليه ندعوا ومن أجله نقاتل ونجاهد حتى يأتي أمر الله .. وهو جريمتنا التي من أجلها رمانا الناس بقوس العداوة ولمزونا وعادونا فيها .. فنعمة الجريمة هي إن كانت جريمة، ونحن متشبثون بها مهما سماها الناس؛ لأن أعيننا ورب الكعبة لا تقر إلا بها، ونفوسنا لا تهنأ ولا تسعد إلا بلزومها، ونجأر إلى مولانا بالليل والنهار ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن لا يميتنا إلا عليها ..
* أما الوقفة الثالثة: فبعد أن عرفت مراد السلف من ذكر إذن السلطان في بعض الفرائض، وتميّزهم عن أهل الأهواء بالصلاة والحج والجهاد خلف الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا .. وذلك لأن أئمة الصلاة كانوا في الغالب ولاة أو أمراء أو نوابًا من طرف الولاة ..
(1) وقد بسطناه وفصلناه في غير هذا الموضع .. أنظر كتابنا (كشف النقاب عن شريعة الغاب) و (الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية) .