ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (260/ 28) وهو يتكلم عن الولايات:(وقد كانت السنة أن الذي يصلي بالمسلمين الجمعة والجماعة ويخطب بهم: هم أمراء الحرب، الذين هم نواب ذي السلطان على الأجناد، ولهذا لما قدّم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة، قدمه المسلمون في إمارة الحرب وغيرها.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على حرب، كان هو الذي يؤمره للصلاة بأصحابه، وكذلك إذا استعمل رجلًا نائبًا على مدينة، كما استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعليًا ومعاذًا وأبا موسى على اليمن، وعمرو بن حزم على نجران: كان نائبه هو الذي يصلي بهم، ويقيم فيهم الحدود وغيرها مما يفعله أمير الحرب، وكذلك خلفاؤه بعده، ومن بعدهم من الملوك الأمويين وبعض العباسيين، وذلك لأن أهم أمر الدين الصلاة والجهاد ... )أهـ.
فمن أجل هذا كان تارك الصلاة خلفهم يعد طاعنًا في ولايتهم غامزًا في بيعتهم متهمًا بمنازعة الأمر أهله .. وهذه هي الفتنة التي كان كثير من السلف يحاذر منها ويتقيها بعدم تركه الصلاة خلف أئمة زمانه وإن كانوا فسقة أو فجارًا .. لأن مثل ذلك لا يحل (إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) [1]
وقد بلغ الأمر بالخلفاء والسلاطين لحساسية هذا الأمر أن يحلفوا الناس أصلوا خلفهم أم لا حين يشكون في أمرهم!
ففي سير أعلام النبلاء (5/ 162) : (قال سعيد بن عبد العزيز كانوا يؤخرون الصلاة زمن الوليد، ويستحلفون الناس أنهم ما صلوا [2] ، فأتى عبد الله بن أبي زكريا فاستُحلِف ما صلى؛ فحلف، وأتى مكحول فقال: فلم جئنا إذا! قال فترك.) اهـ.
وفي هذا الأثر إشارة إلى أنه حتى حين كان يؤخّر أمراء الجور الصلوات؛ فلم يكن من هدي السلف ترك الصلاة خلفهم بالكلية حذرا من هذه المفسدة؛ بل كانوا يصلّون الصلاة لوقتها، ثم يصلون مع الأمراء ونوابهم نافلة، حتى لا يظن بهم الخروج عن الطاعة وشق جماعة المسلمين ومنازعة الأمر أهله ..
ونصوصهم على مثل هذا معروفة ..
بل هذا منهم عملا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم كما في حديث: (سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة)
(1) متفق عليه من حديث عبادة بن الصامت.
(2) أي: ما صلوا في الوقت في بيوتهم قبل مجيئهم لصلاة الجماعة؛ كما سيأتي في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يؤخر الأمراء العصاة الصلاة عن وقتها.