الصفحة 95 من 152

* فعلم أن مثل ذلك إنما يفعل مع الولاة أو من كان لهم شوكة وكان في ترك الصلاة خلفهم ضررًا وفتنة .. أما إن كان الإمام، كموظفي زماننا مثلًا، وحيث تتعدد الجمعة والجماعة فالحال مختلفة ..

ولذا جاء في مسائل (عبد الملك الميموني) للإمام أحمد أنه قال: (إذا كان الإمام من أئمة الأحياء يسكر هذا لا تقبل صلاته أربعين يومًا، كيف أصلي خلف هذا؟ لي أن أختار، ليس هو والي المسلمين، والصلاة خلف الولاة لا بد، والصلاة خلف أئمة الأحياء لنا أن نختار) أهـ [1]

قلت: وهذا في إظهار السكر؛ فكيف في إظهار الكفر، أو إظهار نصرته وتولي أربابه؟ كالدخول في دين الطواغيت ونصرتهم وإظهار توليهم من غير إكراه حقيقي ..

وتأمل قوله (والصلاة خلف الولاة لا بد، والصلاة خلف أئمة الأحياء لنا أن نختار)

ولذلك قال لما سأله رجلٌ: (رأيتُ رجلًا سكران أُصلي خلفه؟ قال: لا، قال: فأُصلي وحدي؟ قال: أين أنتَ؟ في البادية؟ المساجدُ كثيرة، قال: أنا في حانوتي، قال: تخطَّاه إلى غيره من المساجد) [2] .

وتقدم أيضا تفريق سفيان الثوري في الصلاة خلف كل بر وفاجر لما سأله شعيب: الصلاة كلها؟ قال: لا، ولكن الجمعة والعيدين صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة).

إذا تبين لك هذا وفهمته .. عرفت أن ما يفعله بعض الناس أو الجماعات، من الصلاة خلف أئمة مساجد هذا الزمان من غير إكراه أو خوف ضرر أو فتنة، ثم الإعادة .. ليس عليه أثارة من علم، وأن الاستدلال له بالأحاديث المذكورة آنفًا المرفوعة منها والموقوفة لا يصح؛ لأن الفوارق بين الحالتين كثيرة بينة ..

-ومن أهم تلك الفوارق المعتبرة أن السلف كانوا يصلون الجمعة ونحوها خلف ولاة الأمور في أغلب الأحوال، ولذلك كان في ترك الصلاة خلفهم نوع منازعة مذمومة وفتنة غير محمودة وذلك لأنهم ولاة أمور ومسلمين أو نواب رتبهم ولاة الأمور المسلمين ..

ولذلك كان بعض السلف إذا أمن هذه الفتنة صلى قبل من يؤخر الصلاة من الولاة ولا ينتظره .. كما في سنن البيهقي (3/ 123) (باب الإمام يؤخر الصلاة والقوم لا يخشونه)

5096 - .... عن القاسم بن عبد الرحمن أن أباه أخبره: (أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة بالكوفة وأنا جالس مع أبي في المسجد فقام عبد الله بن مسعود فثوب بالصلاة فصلى بالناس

(1) من بدائع الفوائد (4/ 68) لابن القيم.

(2) المغني ج3/ 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت