الصفحة 96 من 152

فأرسل إليه الوليد ما حملك على ما صنعت أجاءك من أمير المؤمنين أمر فسمع وطاعة، أم ابتدعت الذي صنعت؟ قال: لم يأتنا من أمير المؤمنين أمر ومعاذ الله أن أكون ابتدعت؛ أبى الله علينا ورسوله أن ننتظرك في صلاتنا ونتبع حاجتك)

فالعلة المعتبرة التي يمكن أن يلحق بها ما يفعله هؤلاء المتأخرين بفعل السلف هي ..

-إما مخافة إثارة فتنة الاختلاف على الأمراء المسلمين ومنازعتهم ولايتهم وقد نهينا عن مثله إلا أن نرى كفرًا بواحًا عندنا من الله فيه برهان ..

فإذا تقرر أن حكام الزمان الجبريين كفرة مشرعون قد أظهروا ألوانًا مختلفة من الكفر البواح، فتلك العلة في حقهم منتفية ساقطة، لأن منازعتهم والطعن في ولايتهم عند ذلك محمودة ممدوحة وليس بمذمومة، والفتنة كل الفتنة بالسكوت عن شركهم وكفرهم .. فضلا عن توليهم وإضفاء الصبغة الشرعية الدينية على ولايتهم الكفرية ..

-أو أن يقال أن العلة المعتبرة ها هنا هي خوف الأذى والضرر على تارك الصلاة خلفهم، وهذه أيضًا علة في الغالب منتفية للفارق بين الحالين .. إذ قلما كانت الصلاة في الجمعة ونحوها تتعدد عندهم [1] فلم يكن للمرء في زمانهم مجالًا للاختيار .. أما اليوم فمجال الاختيار واسع، فلا ضرر أو أذى غالبا على تارك الصلاة خلف أولياء الطاغوت ..

وله أن يختار الصلاة خلف غيرهم ..

ومن هذا تفهم كثيرًا من عبارات الأئمة التي تدور حول هذا المعنى، ومرادهم حين يقولون على سبيل المثال: (الإمام الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه) أو قولهم: (إذا لم يوجد إمام غيره) أو قولهم: (لا تصح الصلاة خلف الفاسق إذا أمكن الصلاة خلف العدل، وهو إحدى الروايتين عن مالك وأحمد) [2] .

(1) بخلاف ما نشهده في زماننا من الفوضى في ظل تولي الطواغيت لأوقاف المسلمين وأمر دينهم، لدرجة أن تصلى الجمعة في المسجدين المتقاربين وربما الثلاث والأربع دون أن تمتلىء، ويسمع أهل كل مسجد خطبة المسجد الآخر .. فهذا لم يكن معهودًا ولا موجودًا عند السلف، ولذلك أفتى بعض أهل العلم ببطلان صلاة المتأخر من المسجدين المتقاربين وأن الجمعة لمن سبق منهما، وهي فتوى ضعيفة تفتقر للدليل.

(2) أنظر الفتاوى (23/ 360) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت