وقد قال ابن خُوَيْز مَنْدَاد وهو يتكلم عن ولاة زمانه بعد أن بين أنه لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم لجورهم وفجورهم وإن وجب الغزو معهم لأنهم ليسوا بكفار قال: (وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يُخافوا فيصلى معهم تقيّة وتعاد الصلاة) أهـ [1]
وقد تقدم تفريقنا بين من كانت بدعته مكفرة فنقول في الصلاة خلفه ما قاله الشيخ، ومن كانت بدعته غير مكفرة فالصلاة خلفه كالصلاة خلف الفاسق ..
وتقدم ما جاء في المدونة (1/ 84) عن الإمام مالك أنه سئل عن الصلاة خلف الإمام القدري؛ فقال للسائل: (إن استفتيت فلا تصل خلفه، فقال السائل ولا الجمعة؟ قال: ولا الجمعة، وأرى إن كنت تتقيه وتخافه على نفسك أن تصلي معه وتعيدها ظهرًا) اهـ.
عودًا على بدء نقول أن هذا كله يظهر لك خطأ ما يفعله بعض الناس من الصلاة خلف أولياء الطواغيت أو غيرهم من أئمة الأحياء ونحوهم من غير ضرر أو أذى أو فتنة ثم يعيدون، وأن هذا العمل ليس عليه أثارة من علم .. إذ لو قال فاعله أنهم فجار وزعم أن لا مجال للصلاة خلف غيرهم، فلا معنى للإعادة هنا لأن الصلاة خلفهم عندئذ صحيحة، بل قد نص شيخ الإسلام أن إعادتها في مثل هذه الحالة من فعل أهل البدع .. [2]
وإن قال: هم عندي كفار ولذلك أعيد الصلاة؛ قلنا: ومن ذا الذي أجبرك على الصلاة خلفهم ابتداء حتى تضطر للإعادة، فلا هم أمراء ولا ولاة ولا ذووا شوكة يخشى منهم، والجمع والجماعات متعددة، والصلاة خلف غيرهم من أهل التقوى والصلاح ممكنة ومتيسرة ..
وخلاصة هذه الوقفة أن يقال:
* إن كان الإمام مسلمًا فاجرًا أو فاسقا، وهو الإمام الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه كأن يكون من ولاة الأمور أو نوابهم أو لا تعدد في الجمعة فلا سبيل للإختيار، صلى خلفه ولا يعيد ..
(1) أنظر تفسير القرطبي (5/ 259) ، وابن خُوَيْز هو محمد بن خويز منداد المالكي البصري من فقهاء المالكية في أواخر المائة الرابعة! كان في زمن العباسيين!! وهو بصري وليس مصريًا .. حتى يظن أنه يقصد العبيديين! ومذهبه في الامام المبتدع غير الكافر هنا على مذهب إمامه وقد تقدم بيانه.
(2) الفتاوى (23/ 344) وهو قوله:(وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر، منهم من قال: أنه يعيد لأنه فعل ما لا يشرع، بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته خلفه منهيًا عنها فيعيدها. ومنهم من قال: لا يعيد، لأن الصلاة في نفسها صحيحة، وما ذكر من ترك الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة، وهو يشبه البيع بعد نداء الجمعة.
وأما إذا لم يمكنه الصلاة إلا خلفه كالجمعة، فهنا لا تعاد الصلاة وإعادتها من فعل أهل البدع .... )أهـ. وتأمل قوله: (صلى خلف الفاجر من غير عذر) فقد عرفت أن العذر المقصود ها هنا أن لا يتمكن من فعل الجمعة والجماعة إلا خلفه لكونه إمامًا أو واليًا أو ذا شوكة ويخشى من الفتنة أو الأذى والضرر في ترك الصلاة خلفه ..