الصفحة 99 من 152

وفي مثل هذا النوع تتنزل كثير من الأحاديث والآثار .. كقوله صلى الله عليه وسلم: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) [1]

ولأجله أفتى عثمان بن عفان رضي الله عنه من استفتاه وهو محصور بالصلاة خلف إمام الفتنة الذي تصدّر لإمامة الجماعة التي لم يكن يقام غيرها في زمنه [2] وقال: (الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم) .

وفي مثل هذا يتنزل قول كثير من أهل العلم .. (أنه لا يترك الجمعة والجماعة، لأجل فسوق الإمام أو فجوره إلا أهل البدع كالخوارج والرافضة ونحوهم ... )

* وحالة أخرى، أن يكون الإمام كصفة الذي تقدم إلا أنه يؤخر الصلاة عن مواقيتها، فها هنا لا يمكن الصلاة خلف غيره لأن الجمعة واحدة لا تتعدد مثلا، ولأن الإمام فيها وليّ الأمر أو الوالي أو المقصود أنه ذو شوكة وفي ترك الصلاة خلفه فتنة كما تقدم .. ففي هذه الحالة يصلي المرء الصلاة لوقتها، ثم يصلي معهم نافلة، وقد تقدم الحديث فيه ..

* أما إذا كان الحاكم أو الوالي كافرًا أو بدعة الإمام مكفرة، فلا تحل الصلاة خلفه، لما تقدم، والمصلي خلفه وهو يعلم أنه كافر ليس بمصل بل لاعب، فلا هو صلى كما أُمر؛ (وليأمكم أحدكم) ولا كما كان النبي يصلي (صلو كما رأيتموني أصلي) ، فالصلاة خلف الكافر ليست من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعله وطريقته؛ ولذا فهي محدثة مردودة وبدعة ضلالة، (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) لذا فالحق أن لا يصلى خلف الكافر أو صاحب البدعة المكفرة سواء أتعددت الجمعة أم لم تتعدد، وإنما يصلي خلفه إن كان ذا شوكة، من خشي الضرر والأذى على نفسه ثم يعيد، أو يصلي بنيّة المنفرد فيوافقه في الركوع والسجود دون أن يأتم به وهذه الموافقة مع نية المفارقة؛ لا تضر الصلاة ان شاء الله كما ذكر ابن قدامة في المغني (2/ 15) مع الشرح الكبير.

(1) رواه الإمام أحمد والبخاري في صحيحه.

(2) قيل هو عبد الرحمن بن عديس البلوي أحد رؤوس المصريين الذين حصروا عثمان أو كنانة بن بشر أحد رؤوسهم أيضًا، أنظر الفتح (189/ 2) وقد رجح ابن حجر أن المقصود في الأثر كنانة، فيبدو أن كليهما صلى بالناس وقتها .. وقد صلى في ذلك الوقت بالناس أيضًا أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري لكن بإذن عثمان، وكذلك صلى بهم علي بن أبي طالب يوم عيد الأضحى وصلى بهم أيضًا أبو أيوب الأنصاري وطلحة بن عبيد الله، وليس واحد من هؤلاء مرادا بقوله إمام فتنة، وليس سديدًا ما جوّزه بعضهم من ذلك لإمكان وجود تقدير حذف فيكون المراد إمام وقت فتنة .. لأن السائل قد قال (ويصلى لنا إمام فتنة ونتحرج) فهذا يرجح أن الإمام المقصود كان من الخوارج الذين نقضوا بيعة عثمان، فكأن السائل ومن تحرج معه خشوا من أن يكون في الاقتداء بهم في الصلاة نوع إقرار لباطلهم .. وفي هذا المعنى آثار صريحة ذكرها الحافظ في الفتح فليراجعها من شاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت