نحن في حاجة ملحة إلى المتخصصين، في كل فرع من فروع المعارف الإنسانية، أولئك الذين يتخذون من معاملهم ومكاتبهم صوامع وأديرة! ... ويهبون حياتهم للفرع الذي تخصصوا فيه، لا بشعور التضحية فحسب، بل بشعور اللذة كذلك! ... شعور العابد الذي يهب روحه لإلهه وهو فرحان! ...
ولكننا مع هذا، يجب أن ندرك أن هؤلاء ليسوا هم الذين يوجِّهون الحياة، أو يختارون للبشرية الطريق؟ ...
إن الرواد - كانوا دائمًا وسيكونون - هم أصحاب الطاقات الروحية الفائقة، هؤلاء هم الذين يحملون الشعلة المقدسة، التي تنصهر في حرارتها كل ذرات المعارف، وتنكشف في ضوئها طريق الرحلة، مزودة بكل هذه الجزئيات، قوية بهذا الزاد، وهي تغذُّ السير نحو الهدف السامي البعيد!.:
هؤلاء الرواد هم الذين يدركون ببصيرتهم تلك الوحدة الشاملة، المتعددة المظاهر في: العلم، والفن، والعقيدة، والعمل، فلا يحقرون واحدًا منها، ولا يرفعونه فوق مستواه!.
الصغار وحدهم، هم الذين يعتقدون أن هناك تعارضًا بين هذه القوى، المتنوعة المظاهر؛ فيحاربون العلم باسم الدين، أو الدين باسم العلم ...
ويحتقرون الفن باسم العمل، أو الحيوية الدافعة باسم العقيدة المتصوفة! ... ذلك أنهم يدركون كل قوة من هذه القوى، منعزلة عن مجموعة من القوى الأخرى، الصادرة كلها من النبع الواحد، ومن تلك القوة الكبرى المسيطرة على هذا الوجود (5) ! ... ولكن الرواد الكبار يدركون تلك الوحدة، لأنهم متصلون بذلك النبع الأصيل، ومنه يستمدون! ...
إنهم قليلون ... قليلون في تاريخ البشرية ... بل نادرون! ولكن منهم الكفاية ...: فالقوة المشرفة (6) على هذا الكون، هي التي تصوغهم، وتبعث بهم في الوقت المقدر المطلوب!.
(5) الصواب أن يقال:"من ذي القوة الكبرى المسيطر ..."لأن الله ذات موصوفة وليس صفة سبحانه وتعالى. [الناشر] .
(6) الصواب أن يقال:"فالقوي المدبر لهذا الكون ..." [الناشر] .