فهرس الكتاب
تشكل الهوية - في أية أمة من الأمم - الحافز الأيديولوجي والدافع النفسي والشعوري الذي يدفع الأمة نحو التقدم بقوة في اتجاه الإحياء الحضاري، ويقاوم في ذات الوقت الاجتياح الحضاري للأم الأخرى ... فالهوية تُشْعر الأمة أنها المركز الذي يجب أن ينجذب إليه الآخرون ... وليس هذا المركز خارجها ويجب عليها هي أن تنجذب إليه، وهذا يقّوى في أفراد الأمة قوة الصمود أمام تيار الغزو الحضاري، ويُفَجر فيهم الطاقات الكامنة فتستطيع الأمة القفز فوق كل الحواجز لتحقيق التقدم والإنجاز الحضاري.
أما إذا فقدت الأمة - أية أمة - هويتها المستقلة فإن هذا يعني لا محالة التبعية للأمم الأخرى والبقاء تحت سياط الاستعباد والقهر!
إن نقطة التحول في طريق إحياء الأمة الإسلامية، ونزع الريادة من يد أعدائها وبداية حضارة الإسلام من جديد، هي إحياء الهوية الإسلامية، لأنها هي الهوية الحقيقية للأمة، الموصولة الشرايين بتاريخها، والقادرة على مقاومة الاجتياح الحضاري الغربي.
وتقوم الهوية في أية أمة من الأمم بدور المعامل الحضاري الذي يمتد عموديًا في أعماق الإنسان لكي يبعث فيه الإحساس بمسؤوليته عن تقدم أمته، فَيُفَجّر طاقاته في ذلك السبيل ... ويمتد أفقيًا في الأمة لتصب جهودها في المسالك الصحيحة التي تنسجم مع آمال الأمة وطموحاتها.
ولا شك أن الهويّة التي تنطبق مع الخيار الحضاري للأمة الإسلامية هي الهوية الإسلامية، ولذلك فإنه عندما طرح زعماء العلمانية الهوّية الوطنية كبديل للهوّية الإسلامية، حدث في الأمة فراغ اجتماعي، وأدى هذا الفراغ إلى ظواهر الاغتراب وفقدان الانتماء للأمة، وفي ظل الاغتراب أصبح العقلاء والحكماء من الأمة غير قادرين على التأثير في حركتها، وصارت الكلمة للسفهاء، وصار الحكم للأراذل، فكان الفساد العريض، والجهود الضائعة، والطاقات المستنزفة! وصارت الأمة إلى التبعية الذليلة، وهكذا لم يصبح أمامنا من سبيل لإخراج أمتنا من التبعية إلى الريادة إلا عبر إحياء الهوّية الإسلامية، وإيجاد المشروع الحضاري الإسلامي ... ليكون ذلك سبيلًا إلى استقطاب أفراد الأمة، وملء الفراغ الاجتماعي، لتزول ظواهر الاغتراب، ويتولى أولو الألباب قيادة الأمة ... وتصبح الهوية الإسلامية حافزًا للتغيير، ودافعًا للفاعلية، وهاجسًا لصنع الحضارة [7] .
[7] لمزيد من الاطلاع - راجع إن شئت:
طريق البناء التربوي الإسلامي، عجيل النشمي، دار الدعوة، الكويت، دار الوفاء، مصر.
العقل المسلم والرؤية الحضارية، عماد الدين خليل، دار الحرمين.
لماذا نرفض العلمانية، محمد محمد بدري، دار ابن الجوزي، الدمام.