الصفحة 16 من 39

ربّى الإسلام هذه الأمة على أن مهمتها لا تنحصر في تحقيق كيانها الذاتي المحدود، وإنما لها هدف أُخْرِجت من أجله، ورسالة كُلفت بها هي الدعوة إلى دين الله الحق، وتعبيد البشر لله وحده ... وحين بلغت الأمة الإسلامية الرُشد الحضاري، حملت رسالتها في الدعوة للخير بمعناه الواسع، والنهي عن المنكر بمعناه الواسع، وقامت بدورها في الشهادة على الناس والقيادة لهم، فحققت قول ربها عز وجل: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} ، وقوله سبحانه: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا} .

ولا شك أنه ما كان للأمة الإسلامية أن تقوم بدورها وتؤدي رسالتها كما أمرها ربها: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} ... إلا إذا كانت تتمتع بـ"المناعة السياسية"فلا تصبر على ظلم الملوك، ولا تقبل استبداد الرؤساء ... بل تدرك أن لها دورًا في ترشيد الحكم الإسلامي، والرقابة على أعمال الحاكم المسلم، وردّه إلى الحق الرباني، وعدم الرضا منه بمخالفة ما أنزل الله.

ولقد كانت الأمة في العصور الأولى للحكم الإسلامي تراقب حكّامها، وتلاحق أي انحراف في أوضاع الحكم، وتُقيّد طاعتها للحكام بمدى تَقيّد هؤلاء الحكام بطاعة الله، فكان ميثاق الحاكم: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، وكان تعليقه على منتقديه: لا خير فيكم إن لم تقولولها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها!

ولكن الأمة الإسلامية لم تبق على هذا المستوى السامق من حيث ترشيد الحكم داخلها، وحمل رسالتها إلى البشرية ... فقد طال عليها الأمد، فأصبحت لا تتأثر بحقائق الواقع ولا تتحرك لتغييره، وبدأ التخلي التدريجي من مجموع الأمة من مراقبة أعمال الحكام، وانصرافها التدريجي إلى أمورها الخاصة ... حتى وصلت الأمة الإسلامية إلى الضياع والذل والهوان والهبوط المسف، الذي لا تكاد تدانيه أمة في الواقع المعاصر!

إن النظام الإسلامي هو النظام الذي يسمح بمشاركة الأمة في التغيير وفي الحكم، ويعد مبدأ الشورى أصلًا من أصول هذا النظام، ولذلك يختلف هذا النظام اختلافًا كليًا وجذريًا مع كل النظم الاستبدادية التي يكون الحكم فيها فرديًا تستقر فيه سلطة الأمر والنهي بين يديّ حاكم فرد، ويغيب فيه دور الأمة في التغيير والحكم.

إن الاستبداد السياسي الذي هو قرين كل نظام سلطوي لا يتحقق بمجرد تسلط فرد أو حزب أو طبقة على الأمة، وإنما هو في الحقيقة ينشأ في رحم الأمة عبر أخلاقيات الضعف والخوف، وممارسات الانعزال في دائرة الهموم الفردية، وبفعل ما يسرى في الأنفس من استعداد للخضوع وقبول للاستعباد، ومن ثم فإن أخطر ما يتهدد أمة ما ليس تسلط المستبدين عليها، بل قابلية أفرادها للاستبداد ...

إن الطلائع المؤمنة ليست بديلة عن جماهير الأمة، ولكنها ذراع هذه الجماهير، وقلبها النابض، وعقلها المفكّر ... وهي ترى أهداف الإسلام وتسلك السبيل القاصد إلى تحقيقها في واقع الأمة، ولكنها في ذات الوقت لا تغفل عن دور الأمة في الوصول إلى هذه الأهداف، وتدرك أن الأمة لا بد أن تكون حاضرة وشاهدة في ساحة المواجهة مع أعداء الإسلام [11] .

[11] لمزيد من الاطلاع - راجع إن شئت:

الجهاد في سبيل الله، أبو الأعلى المودودي، مؤسسة الرسالة، بيروت.

في فقة التدين، عبد المجيد النجار قطر.

واقعنا المعاصر، محمد قطب، دار الشروق.

أطلس تاريخ العالم الإسلامي، حسين مؤنس، دار الزهراء للإعلام العربي، القاهرة.

لماذا أعدموني، سيد قطب، الشركة السعودية للأبحاث والتسويق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت