الصفحة 25 من 39

الانطلاقة السادسة؛ الفاعلية الإسلامية والريادة البشرية: في الصّراع الحضاري

لا يمكن أن نتحدث عن التقدم والتخلف والحضارة ... وغيرها، دون أن نحدد المعايير الأساسية التي نستند إليها في توصيفنا لما هو تقدم ... وتقديرنا ما هو التخلف؟ ومعرفتنا ماذا تعني الحضارة؟ ... ذلك أن الإجابة الصحيحة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد الأرض التي نقف عليها ونحن نقدم الحلول لمشاكل الأمة الإسلامية، ونرسم الطريق الواضح لعودتها إلى قيادة البشرية من جديد ...

إن مفهوم الحضارة في الإسلام مفهوم يشمل العقيدة والقيم والأخلاق والنظم والتنظيمات والأفكار والنشاط المعمر في الأرض ... وليست هي كل تقدم صناعي أو اقتصادي أو علمي مع تخلف القيم عنها.

ولذلك فإن الحضارة الإسلامية يمكن أن تتخذ أشكالًا متنوعة في تركيبها الماديّ والتشكيلي، ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة، لأنها هي مقومات هذه الحضارة: العبودية لله وحده، وسيادة القيم الإنسانية التي تنمي إنسانية الإنسان لا حيوانيته ... وحرمة الأسرة، والخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه ... وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شؤون الخلافة.

ويجب على الأمة الإسلامية أن تدرك أن الذين يتحكّمون فينا ليمنعونا من تطبيق شريعتنا هم أنفسهم الذي يتحكمون فينا ليبقى اقتصادنا عالةً عليهم، ولا يستقل عنهم، ولا يستغنى عن تدخلهم، ولا يصل إلى حد الاكتفاء.

إن الأرض التي انتشر فيها الإسلام - بقدر من الله - هي بفضل الله أغنى بقعة في الأرض، بثرواتها البشرية والمعدنية والمائية، وكل أنواع الطاقات، ولكن أهلها اليوم هم أفقر سكان الأرض، وأشدهم جوعًا ومرضًا وتخلفًا! ولو كانت هذه الثروات والطاقات ملكًا حقيقيًا لأهلها لكانوا أغنى سكان الأرض ... فمن الذي يمنعهم من امتلاكها والتصرف الحر فيها؟ هم ذات الأعداء الذين يمنعونهم من تطبيق شريعتهم.

إن الأمة الإسلامية يُرَاد لها أن تبقى عاجزة عن الاستفادة من الخامات الموجودة في أرضها عجزًا تامًا وكاملًا ... ويُراد لها أن تبقى عاجزة عن حماية نفسها عجزًا تامًا وكاملًا، ولذلك فإن المخططات الصهيونية والصليبية الاستعمارية تضع في مقدمة أهدافها تدمير الأمة الإسلامية، من ناحية العنصر البشري بإشاعة الانحلال العقيدي والخلقي ... ومن ناحية تدمير الاقتصاد ... وأخيرًا من ناحية التدمير العسكري.

إن الصراع القائم بين الأمة الإسلامية، والجاهلية المتعددة الأسماء، هو صراع ذو أبعاد مختلفة ... ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية وعسكرية ... وبالتالي فهو صراع حضاري شامل لا يختص بجانب من جوانب الحياة دون جانب آخر، وهذا الصراع الشامل ذو الأبعاد المتعددة لا يمكن كسبه إلا بتكثيف الجهود وتركيزها ... فإذا أرادت الأمة الإسلامية مقاومة الحضارة الغربية، فإن هذا يستدعي أن تقوم بتأسيس حضارة إسلامية متكاملة الأبعاد، وتقوم بتجميع عناصر القوة في الأمة، وتوجهها إلى ما ينفع الناس، ويؤَمّن خطى الأمة على طريق المستقبل، ويثّبت أقدامها في الصراع الحضاري.

والحضارة في المفهوم الإسلامي: هي عمارة الأرض بمقتضى المنهاج الرباني، وطبقًا لهذا المفهوم الإسلامي للحضارة، فإن واقع الأمة الإسلامية يشهد أنها تعاني من التخلف والتدهور الحضاري الفظيع ... وأن الفجوة الحضارية بينها وبين العالم المتقدم تزداد كل يوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت