الصفحة 24 من 39

الفكرة الصحيحة هي القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الحّي، والولاء الشامل لهذه الفكرة هو الأساس الذي يقوم عليه شبكة العلاقات الاجتماعية بين أفراد ذلك المجتمع، فإذا انهارت الفكرة الصحيحة، وقامت شبكة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد طبقًا لمحاور الولاء الفردي والعشائري والأقليمي، دار الصراع في داخل المجتمع نفسه ومزّقه إلى شيع يذيق بعضها بأس بعض ... ومن ثم ضعف المجتمع في الداخل، وفقد المناعة في الخارج، بل وتحول إلى مجتمع ميّت يطمع فيه الآخرون، وتتداعى عليه الأمم.

ولكي ينشأ هذا المجتمع الحّي، لا بد من طليعة مؤمنة قادرة على أن توفر للمجتمع الإسلامي تكاملية جهود أفراده، في سبيل تقدم الأمة الإسلامية، بدلًا من إهدارها في الصرعات الإقليمية والاجتماعية ...

ولا تستطيع الطليعة المؤمنة القيام بدورها في إحياء المجتمع الإسلامي، إلا إذا شكّلت في نفسها وفي واقعها نواة هذا المجتمع في صورة أفراد مسلمين خاضعين لتصورات وقيم ومفاهيم ومشاعر وتقاليد وعادات المجتمع الإسلامي الحّي، وفي ذات الوقت لا بد أن يكون بين أفراد هذه النواة الاجتماعية تفاعل وتكامل وتناسق وولاء وتعاون عضوي، يجعل كل فرد يتحرك للمحافظة على مجتمعه، والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد وجوده في أية صورة من صور التهديد.

وهكذا هي نشأة المجتمع الإسلامي الحّي، تبدأ بنواة اجتماعية صغيرة تتسم بالحيوية والفاعلية والقدرة على الجذب والاستقطاب، وتتحرك هذه النواة في صورة نبتة اجتماعية متماسكة، فتجذب الأفراد الأكثر نشاطًا وتقوى وفداء بين أفراد المجتمع الكبير الميت الذي يحمل بين طياته عوامل فنائه من العفن الخلقي والشقاء المعيشي، ولا يملك القدرة على التحدي والمواجهة.

فإذا تجمّع حول النواة الاجتماعية صفوة الفكر والتجارب وخيرة القدرات والإمكانات، تحولت النواة الاجماعية الصغيرة إلى قوة هائلة تمتلك اتخاذ القرارات الحاسمة، وتمتلك القدرة على تحدي أعدائها، وعندها يتهاوى شيئًا فشيئًا ذلك المجتمع الميّت في تيار المجتمع الإسلامي الحي، ويكون الانبعاث الإسلامي.

ولكي تستطيع الأمة الإسلامية حمل رسالتها إلى الإنسانية بالخروج من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، لا بد أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعًا حيًا، يقوم على الفكرة الصحيحة، وتوجه القيم السليمة والعمل الصالح علاقات أفراده وجماعاته وتحكم سلوكهم ونشاطاتهم.

ولا سبيل إلى نشأة هذا المجتمع الحّي إلا أن توجد في الأمة طليعة مؤمنة تمثل النواة الاجتماعية الحية للمجتمع الإسلامي المنشود، فإذا وجدت هذه النواة، فإنها لا تلبث بحيويتها ونشاطها أن تكبر حتى تحطم الطغاة وتفرض نفسها على الساحة الاجتماعية للأمة، وتكون هذه هي بداية الانبعاث الإسلامي.

ومن هنا فإن قيادة الطليعة المؤمنة للأمة الإسلامية هو أمر تشترطه أسس التغيير، وتستدعيه متطلبات التمكين [17] .

[17] لمزيد من الاطلاع - راجع إن شئت:

معالم في الطريق، سيد قطب، دار الشروق.

الإسلام ومشكلات الحضارة، سيد قطب، دار الشروق.

واجهة العالم الإسلامي، مالك بن بني، دارالفكر، دمشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت