فهرس الكتاب
حين نجحت الدعوة الإسلامية في إقامة الدولة، كانت هذه الدولة دولة الفكرة وتولى قيادتها أولو الألباب والفقهاء الذين أحسنوا استعمال قدرات الأمة ودفعوا بها إلى التمكين والنصر، فأصبحت هي أمة الريادة البشرية التي بسطت جناح رحمتها على المجتمع البشري كله.
وهكذا هي كل أمة يتولى زمام أمورها فقهاء يفقهون قوانين بناء المجتمعات ويحسنون تطبيق هذه القوانين، فتتقدم أممهم وتنتصر، أمّا الأمة التي يتولى زمام أمورها خطباء يحسنون التلاعب بالمشاعر والعواطف، فإنها تظل تتلهى بـ"الأماني"التي يحرّكها هؤلاء الخطباء، حتى إذا جابهت التحديات لم يفقهوا ما يصنعون، وآل أمرهم إلى الفشل وأحلوا قومهم دار البوار.
إن النويا الطيبة لا تكفي في الوصول إلى الأهداف، بل لا بد من الصواب وهو العمل المدروس المخطط له سلفًا الذي تؤخذ فيه كل الاستعدادات بدءًا من العلم الشرعي وانتهاء بالاستعداد المادي.
لذا فلا بد أن يقوم بالبعث الإسلامي فقهاء لهم من علو الهمة، ونبل النفس، وإنكار الذات، ما يدفعهم إلى الاهتمام بأمور المسلمين، وتَبنّي هموم الأمة.
فقهاء يخططون للعمل الإسلامي آخذين في اعتبارهم الاستهداء بنور القرآن والسنة دون إهمال الأسباب المادية، حتى لا تسقط ثمرات العمل الإسلامي قبل نضجها.
فقهاء يدركون أن القوة ليست بالحماس والانفعال، ولكن بالسعي الدائب للوصول إلى الأهداف، والتخطيط لذلك، وضبط النفس أمام التحديات الخارجية التي تحاول الانحراف بالحركة الإسلامية عن خطتها من خلال الضغوط التي تمارسها ضدها من تشريد وقتل، لتخرجها عن توازنها، وتستدرجها إلى الصدام مع أعدائها قبل الإعداد له.
فقهاء يحاولون الوصول إلى أهداف الحركة الإسلامية بتوازن يحكم إحجامهم كما يحكم إقدامهم، فهم لا يستسلمون لزهو البطولة الانفعالي الذي يدفع الإنسان إلى اتخاذ المواقف من خلال سياسة اللحظة السريعة، وليس من خلال سياسة النفس الطويل.
فقهاء يدركون ما في أيدهم فلا تختلط عندهم الأمنيات بـ"الإمكانيات"، وهم يبذلون الجهد لتحسين الإمكانيات، وإحداث التكامل بين جهود أفراد الأمة، والحفاظ على طاقاتهم من الإهدار.
فقهاء يوقنون أن القيادة الحقيقية هي قيادة القلوب، وليس قيادة الأبدان ... قيادة الرضا وليست قيادة الضغط ... قيادة التسليم وليست قيادة الإرهاب.
لقد عانت الأمة الإسلامية من التخلف، وأصبحت تزحف وراء غبار الركب البشري مع الزاحفين المنقطعين ... وكان من أهم الأسباب التي بالأمة إلى هذا الواقع الأليم، أن الذين يتولون زمام الأمور فيها هم من الخطباء الذين لا يحسنون في مواجهة تحديات الأمة وأزماتها إلا الخطب النارية!
ولذلك فإنه لا سبيل إلى إحياء الأمة الإسلامية، وقيامها بدورها الحضاري، إلا أن يتولى قيادة الأمة الفقهاء الذين يتصفون بصفات المؤمنين والشهداء ويتحركون على أساس من الوعي بقيم الوحي قرآنًا وسنة مع الدراية بشؤون الواقع ... ويقومون بحشد طاقات الأمة، وتوحيد صفوفها، والاستفادة من جهود أفرادها في سبيل الوصول إلى الأهداف عبر رحلة التغيير [14] .
[14] لمزيد من الاطلاع - راجع إن شئت:
منهاج التغيير الإسلامي، أبو الأعلى المودودي.
لمحات في فن القيادة، ج. كورتوا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
حركة النفس الذكية، محمد العبدة، دار الأرقم الكويت.
مسائل في العمل الإسلامي، محمد وليد سليمان، دار الجيل، بيروت.
هكذا ظهر جيل صلاح الدين، وهكذا عادت القدس، ماجد الكيلاني، الدار السعودية للنشر والتوزيع.