الصفحة 17 من 39

لا شك أن أخوف ما يخافه خصوم الإسلام، أن تمتد للحركة الإسلامية جذور في أوساط الأمة، وأن ينشأ لها في قواعدها تأييد أو تعاطف، ولذلك كانت خططهم دائمًا تهدف إلى محاولة فصل الحركة الإسلامية عن جماهير الأمة، فإذا استجابت الحركة الإسلامية لهذه الخُدعة، وصنعت هوة بينها وبين جماهير الأمة تحت أي دعوى، فقد انفصلت عن أرضها وقاعدتها، وبدأت طريق الانتحار العاجل أو الآجل!

إن الحركة الإسلامية الطليعية تعيش في قلب جماهير الأمة، وتعمل على هدايتهم، وتحاول إصلاحهم، وهي في ذات الوقت لا تمالئهم ولا تذوب في شهواتهم ... فهي تدرك أن من يعتزل الناس لأنه يحس أنه أطهر منهم روحًا، وأطيب منهم قلبًا، أو أرحب منهم نفسًا، أو أذكى منهم عقلًا ... لا يكون قد صنع شيئًا كبيرًا ... لقد اختار لنفسه أيسر السبل وأقلها مؤونة ... بل العظمة الحقيقية أن يخالط هؤلاء الناس وهو مشبع بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستواه بقدر ما يستطيع ...

وليس معنى هذا أن يتخلى المسلم عن آفاقه العليا ومثله السامية، أو أن يتملق هؤلاء الناس ويثني على رزائلهم، أو أن يشعرهم أنه أعلى منهم أفقًا، بل لا بد من التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد.

ولا شك أن حركات البعث الإسلامي لا تستطيع الوصول إلى هذه الأهداف طالما هي حركة معزولة عن جسم الأمة، بل لا بد أن تكون الأمة هي التي تجاهد في سبيل هذه الأهداف، وهي التي تواجه أعداء الإسلام، فالمعركة ليست معركة هذه الجماعة ولا تلك، إنما هي معركة الأمة جميعًا مع أعدائها جميعًا ... فالخصومة قائمة أصلًا بين أعداء الله وبين الإسلام، حيثما كان الأعداء ... وحيثما كان الإسلام ...

ولكي تصل الحركة الإسلامية إلى تجنيد الأمة لا بد لها أن تقوم بترتيب أولويات العمل الإسلامي، ومراعاة هذا الترتيب في دعوة الناس، وفي تنظيم مراحل الهدم للواقع الفاسد، والبناء للواقع الإسلامي الصالح، ولا بد أن يظهر ذلك في كل ما تتبناه الحركة من أفكار، ومنهاج للتربية، وأسلوب للحركة ...

فأما الأفكار التي تنشرها الحركة الإسلامية فلا بد أن تكون ملكًا للأمة، وليست حكرًا على النخبة أوالصفوة، ولا بد أن تكون باللغة التي تفهمها الجماهير، وفي ذات الوقت تكون أفكار الحركة الإسلامية أفكارًا ريادية تحل مشكلات الواقع، وترسم خطة المستقبل الأفضل ...

وأما منهاج التربية، فإنه يقوم أساسًا على روح الائتلاف مع الأمة، والارتباط بجذورها الشعبية، وعدم العزلة عنها أو مفارقة طوائفها ...

وأما أسلوب التحرك الذي تسير وِفْقه الحركة الإسلامية، فهو إقامة شبكة متكاملة من العلاقات والروابط، ومد جسور التواصل مع مختلف طبقات الأمة [12] .

[12] لمزيد من الاطلاع - راجع إن شئت:

المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري، محمد محسن عبد المجيد، قطر.

أفراح الروح، سيد قطب، دار ابن القيم، الكويت.

مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، دار الشروق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت