الصفحة 18 من 39

يعلق الكثير من الإسلامين آمالهم بـ"القائد الوحيد"الذي يظنون أن بيده تغيير واقع الأمة الإسلامية والانتقال بها من مؤخرة القافلة البشرية إلى قيادتها! وتعمتد أكثر الحركات الإسلامية على كفاءات الفرد القائد وقدراته الشخصية، ولذلك يكون غياب هذا القائد سببًا في اندثار تلك الحركات، أو على أقل تقدير تحول اتجاهها؟!

ولا شك أن للقائد أهمية كبيرة في التغيير، ولكنه ليس كل القضية، وإنما هو شطرالقضية، وشطرها الآخر هو وجود الأمة، ولا بد من شروط في القائد وشروط في الأمة، والتفاعل بينهما، لكي يتم التغيير وفق سنة الله الجارية: {إن الله لا يغيرر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ... تلك السنة التي تربط التغيير بتغيير ما بـ"قوم أي أمة"، وليس ما بـ"فرد أو قائد".

إن الحركات الإسلامية ينبغي أن تدرك أنها لن تصل إلى شيء من أهدافها - وهدفها هو تطبيق الإسلام في دنيا الواقع، وتحكيم الشريعة الربانية - طالما أنها معزولة عن جسم الأمة ... بل لا بد أن تكون الأمة هي التي تجاهد لكي يقوم حكم الله ولكي يستمر في الوجود بعد ذلك، ولذلك فإن كل صدام مع السلطة لإقامة الحكم الإسلامي - قبل وجود الأمة - هو في الحقيقة عبث غير مبني على بصيرة ولا تدبر ...

بل هو يصادم سنة الله في التمكين والاستخلاف في الأرض، والتي لا يمكن أن يتغير نظامها ويتبدل بمجرد فرد صالح أو أفراد صالحين مشتتين في الدنيا، ولو كانوا في ذات أنفسهم أولياء لله تعالى، لأن الله لم يقطع ما قطع من الوعد والتمكين لأفراد مشتتين، وإنما لجماعة منسقة متمتعة بحسن الإدارة والنظام قد أثبتت نفسها فعلًا أمة وسطًا، أو خير أمة في الأرض.

والأمة ليست أكوامًا بشرية، وإنما هي نسيج اجتماعي، تحكمه قوانين بناء الأمم، وصحتها، ومرضها، وموتها، وتتلاحم مكونات الأمة، وتعمل متكاملة بحيث يكون حصيلة هذا كله إخراج الأمة المسلمة، وقيامها بوظائفها، طبقًا لحاجات الزمان والمكان.

فالأمة كيان صناعي يمكن بناؤه وهدمه وهي تُخْرَج إخراجًا للقيام برسالة ووظيفة ما، وهذا الإخراج يقتضي فهم السنن والقوانين التى توجه إلى إخراج الأمة، وتحافظ على عافيتها، ثم تحويل هذه القوانين إلى تطبيقات عملية في أفكار أفراد الأمة وفي أخلاقهم، ومن قبل ذلك ومن بعده في شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط هؤلاء الأفراد، وتوجه نشاطاتهم في اتجاه رسالة الأمة.

إن الأمة هي الرادع والمانع لكل منحرف ولكل انحراف، فهي التي تقف مع الحق ضد الباطل، وهي التي تكف أيديها وتمتنع عن مشاركة الظالمين، بل وتأخذ عن أيديهم للحق، ولذلك فإن الطريق إلى إقامة الحكم الإسلامي هو إخراج الأمة المسلمة ... وذلك بدعوة الأمة إلى التوحيد، وملء الفراغ العقيدي في الأمة، ثم إحياء الهوية الإسلامية التي تستقطب أفراد الأمة، وتُخْرِج منهم أمة ذات ولاء ثابت، وهوية وشخصية متميزة ... وهذه الأمة بتلك الموصفات هي التي تستطيع مواجهة أعدائها، وتقدر على أن تجرف في طريقها الأنظمة العلمانية الورقية وتلقي بها في مزابل التاريخ.

إن إحياء الأمة هو الذي يجعل للحركة الإسلامية قوة الضغط على الباطل والجاهلية، حتى تُسَلّم هذا الباطل أو يزول: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا} .

فإذا أردنا للأنظمة العلمانية التلاشي، وإذا أرادت الحركة الإسلامية لـ الخندق العلماني الاندثار، فإن الطريق إلى ذلك هو الإحياء الإسلامي الكبير الذي ينساب في خلايا المجتمع ويسري في روح هذه الأمة فيحييها بالقرآن [13] .

[13] لمزيد من الاطلاع - راجع إن شئت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت