فهرس الكتاب
الإنسان - في أيه أمة - هو أساس الحضارة وصعود أو هبوط أمة ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى فاعلية الإنسان، فإذا اتسم سلوك الإنسان - في أية أمة - بالفاعلية، كان النهوض الحضاري لهذه الأمة ... أما إذا انعدمت فاعلية الإنسان، وتوارى جهده فإن مستقبل هذه الأمة لا يحمل لها إلا التخلف والانحطاط الحضاري.
ولقد كان الإنسان في الأمة الإسلامية هو مدار الحركة الحضارية، وتمثّل حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والأجيال الأولى من المسلمين هذه الحقيقة تمثيلًا واضحًا وقيام رسول الله بدعوته واستعماله الطاقات الإنسانية التي زود بها واتباعه كل الوسائل والقواعد في عالم العمران المادي والبشر لنشر دعوته وتحقيق المجتمع الذي أُرسل من أجل بنائه، وتحمل أنواع العذاب والجراحات، للانتصار على الأعداء في كل مظهر من مظاهر جهاده ضدهم ... كل ذلك دليل على ما نقول.
إن الدراسة الواعية لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعطينا البرهان القاطع على أنه ما من قانون من قوانين الحياة خلقه الله لأداء الأمانة والاستخلاف، إلا اتبعه لبناء المجتمع الإسلامي، سواء أكان ذلك في حياته الفردية أم في حياته الاجتماعية، وسواء كان ذلك في سلمه أم في حربه.
إن منهاج الله الذي أنزله على رسوله، الذي هو منهاج للحياة البشرية؛ إنما يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقاتهم البشرية، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في كل بيئة، ويبدأ العمل من النقطة التي يكون البشر عندها حينما يتسلم مقاليدهم، ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقاتهم البشرية، وبقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة، وليس بطريقة سحرية غامضة الأسباب.
إن الأفكار تبقى ميتة حتى لو كانت صادقة وصحيحة حين لا تكون ذات فاعلية في إطار زمني محدد، والأشياء تصبح باهتة ومجرد أكداس إذ لم تكن متأتية عن حركة الحضارة ومتسقة مع وظيفتها، والأشخاص يتحولون إلى البدواة وعدم التحضر عند فقدهم للروابط التي تفسر اجتماعهم وعملهم المشترك في سبيل أهدافهم الحضارية ...
إن التقدم أو التخلف لا يعتمد على الأفكار الصحيحة فقط، وإنما يعتمد أيضًا على أسلوب الحياة الذي ينتهجه أفراد الأمة في سبيل تحقيق أهدافها!
والإنسان هو أساس الحضارة، ولذلك يؤكد منهج التغيير الحضاري الإسلامي على صياغة الإنسان المسلم من جديد قبل بناء العمارات وإنشاء المصانع وتعبيد الطرق وتنظيم الحياة المادية، أو معها على الأقل ... بينما تركّز الأيدلوجية العلمانية على نقل التكنولوجيا.
ولا شك أن الواقع خير شاهد على أن هذه الأيدلوجية العلمانية لم تفشل في ردم الهوة الحضارية بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم فقط ... بل إنها ساهمت في زيادة اتساع هذه الهوة. لأنها كانت تسير بنفس خطوات الغرب، فردّت بضاعة الغرب إليه وصبت كل الجهود في محصلته.
وإذن فالطريق الصحيح للخروج بالأمة الإسلامية من دائرة التخلف أن نعود إلى منهاج الإسلام في التغيير الحضاري، فنقوم بتفجير الطاقات الكامنة في الإنسان المسلم، وعندها نمتلك القدرة على القفز فوق كل الحواجز لتحقيق التقدم والإنجاز الحضاري.
إن الأمة الإسلامية لن يكون لها مكان على خريطة المستقبل إلا إذا تاب أبناؤها من خطيئة الكلام الكثير والعمل القليل، وإلا إذا شمر كل منهم عن ساعديه وتعبد الله في ليله ونهاره بالعمل الكثير ... وبدون ذلك، ستبقى هذه الأمة بين مطرقة الغرب الحاقد وسندان أفعال أبنائها العاجزة، والتي لا تعدوا في كثير من الأحيان مجموعة من الكلمات!