الصفحة 29 من 39

إن الأمة الإسلامية لا بد أن يسودها القلق من واقع التخلف الذي تعيشه، ولا بد أن يستشعر أفرادها الخطر من المستقبل الذي لن يحمل لهم - إن بقوا على كسلهم وعجزهم - إلا التبعية الذليلة التي يتحول فيها أفراد الأمة إلى خدم لأفراد الأمم الأخرى!

فإذا ساد الأمة القلق واستشعر أفرادها الخطر، فإن هذا يؤدي - إن شاء الله - إلى وضع جديد في الأمة يمكن أن نطلق عليه حالة إنقاذ ... وأول ما يكون من أثر هذه الحالة في نفوس الأفراد أنها تحرمهم الشعور بالاستقرار لما يعتريهم ويسيطر على مشاعرهم من قلق لا يمكن دفعه إلا بتغيير واقع أمتهم ... وهكذا ينطلق الأفراد الذين كانوا من قبل مُكَبّلين بكسلهم ... ينطلقون لأنهم يشعرون فجأة بانفجار ذاتي داخل نفوسهم ... انفجار يطلق طاقاتهم المكبلة في اتجاه تغيير واقع الأمة.

إن الباب الذي يمكن للأمة الإسلامية أن تعود منه للحضارة هو باب الواجب، وهذا يعني أن نركز منطقنا الاجتماعي والسياسي والثقافي على القيام بالواجب أكثر من تركيزنا على الرغبة في نيل الحقوق، لأن كل فرد بطبيعته توّاق إلى نيل الحق، ونفور من القيام بالواجب ... إذن فلا بد أن نوجه الأمة إلى القيام بالواجب، لأن المجتمع الذي يرغب في الارتفاع والتقدم لا بد أن يكون لديه فائض جهد، ولا يمكن تحصيل ذلك الفائض إلا أن يكون الواجب الذي يقوم به، أكثر من الحق الذي يطالب به.

إن التحلل من التبعات، والرخاوة في تناول الحياة، والإخلاد إلى الدعة والسكون والإقبال على المتاع، والاستسلام للواقع هو نوع من الخنوع والتقوقع والهروب من المسؤولية الذي لا ينتج إلا أمة ذليلة، ترضى بالدونية، ولا تحاول رفع رأسها ...

إن الأمة الإسلامية لن تستطيع أن تستعيد مكانها وسط الأمم التي تصنع التاريخ وتقود البشرية إلا إذا تحرر أفرادها من جميع ضروب العطالة التي توقف الجهد، ومن سائر أعذار البطالة التي تبرر العجز والكسل ... وبدأوا في الاعتياد على احترام قيمة الوقت، وتعلم أسلوب التخطيط، وتحريك ملكات الابتكار، واستخدام العلم لحل الألغام الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الأمة، وذلك بنزع فتيلها، وليس الارتماء عليها!

ولا شك أن هذا الهدف يحتاج من أفراد الأمة أن يكتسبوا القدرة العلمية، ويرتفعوا إلى مستوى الصراع الحضاري، ويمارسوا ذلك الصراع بأصول إسلامية صحيحة واستيعاب للواقع والعصر ... وعندها سيكون هذا الجيل حدًا فاصلًا بين عهدين: عهد الكسل والخمول، وعهد النشاط والحضارة.

ولقد أصبح العالم يعيش أزمات حادة تحولت إلى أمراض مزمنة في جسد البشرية، وفشلت كل الجهود في استئصالها ... ولأن الأمة الإسلامية هي التي تمثل الصوت الذي ينادي البشرية إلى الخير، ويدعوها إلى الكف عن جميع الشرور {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} ... لذلك، فهي الجديرة بأن تكون المحور الذي يتحرك من حوله العالم كله، والقيادة التي تتابعها البشرية جمعاء ... ولا يمكن أن يتم ذلك في واقع البشرية اليوم إلا بالجهاد، لأن القوى الجاهلية لن تسمح للأمة الإسلامية أن تمارس هذه القيادة إلا أن تخوض جهادًا شاقًا، يتقرر بعده البقاء للأصلح، لا بالمعنى الدارويني الفاسد، ولكن بالمعنى الرباني المقرر في كتاب الله: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} ، {فأمّا الزبد فيذهب جفاءً وأمَّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [20] .

[20] لمزيد من الاطلاع - راجع إن شئت:

شروط النهضة، مالك بن نبي، دار الفكر، دمشق.

في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق.

معالم في الطريق، سيد قطب، دار الشروق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت