كانت الحصيلة المُرة التي خرج بها الصليبيون من حروبهم مع المسلمين سببًا في أن تعي القوى المتربصة بالأمة الإسلامية الدرس جيدًا، وتدرك أنه لن يكفي ضرب الأداة العسكرية لهذه الأمة لكي تسقط ... بل لا بد من ضرب قوتها الحقيقية عبر اقتلاع عقيدتها، وتدمير هويّتها، وتزييف وعيها ... حتى لا تكون هذه القوة ... العقيدة ... الهويّة ... الوعي سببًا في أن تقوم هذه الأمة من تحت رماد السقوط كنار عملاقة تحرق في طريقها كل الأعداء ...
ولقد ابتدأ الأعداء أولى خطوات الخطة المرسومة بعمليتّي هدم وبناء! هدم لمعالم الشخصية الإسلامية، وبناء لمعالم الشخصية الأوربية الغربية ... وهو ما أطلق عليه لفظة التغريب ... وقّصِد به طبع المسلمين بطابع الحضارة الغربية والثقافة الغربية، وليتحول انتماء المسلم من الانتماء إلى الإسلام ... إلى الانتماء إلى الغرب، فلا يرى الأشياء إلا كما يراها الغربي، ولا يتذوّقها ولا يقدّرها إلا كما يقدرها ... فتتحول الأمة الإسلامية إلى التبعية المطلقة للغرب، وتصبح ذيلًا لدول الاستعباد الغربي!
وإذا صارت الأمة إلى هذه التبعية المطلقة للغرب فإنها لا تشعر بالرغبة في الانفصال عنه، فضلًا عن جهاده ومقاومته ...
ولمّا أدرك أعداء الأمة الإسلامية مدى جدوى هذه الفكرة في نزع الولاء الإسلامي ليحل محله الولاء الجاهلي، وفي تغييب الهوية الإسلامية التي تُميز المسلم وتجعله مستعصيًا على الذوبان في الأمم الأخرى ... لمّا أدرك الأعداء ذلك أخذوا في بث سموم الفكرة الوطنية، والتي تبث الشعور بالوطنية الإقليمية في الأمة، وتنادي بأن الأمة تقوم - حسب تصورهم - على الجنس لا على الدين .... فالوطنيون يحبون أبناء وطنهم وإن كانوا على غير ملتهم أكثر من محبتهم لمن كانوا على ملتهم إذا لم يكونوا في وطنهم!
ولقد حقق أعداء الأمة الإسلامية من خلال فكرة الوطنية أكثر من هدف في وقت واحد ...
كان الهدف الأول هو تحويل حركات الجهاد الإسلامي ضد الاستعمار الصليبي إلى حركات وطنية لا تنظر إلى العدو الصليبي على أنه صليبي مستعمر، ولكن على أساس أنه مستعمر فقط.
وكان الهدف الثاني: هو تحويل حركات الجهاد الإسلامي إلى حركات سياسية، عن طريق تحويلها إلى حركات وطنية يمكن التفاهم معها بسهولة ...
وكان الهدف الثالث: هو تيسير عملية التغريب من خلال تحويل حركة الجهاد الإسلامي إلى حركات وطنية ليس لديها ما يمنعها من الأخذ من أفكار وتقاليد وأنماط سلوك من تجارب من مستعمرين!
لقد قام أعداء الأمة الإسلامية عبر تخطيط ماكر خبيث بتحويل روح العداء لهم، والتي يشعر بها المسلم من خلال عقيدة الولاء والبراء، قاموا بتحويل العداوة إلى شعور بالمحبة والارتياح، بل إلى انبهار وشعور بأنهم القادة والسادة!
وقد حدث ذلك عبر خطوات: التغريب حيث تم هدم الشخصية الإسلامية وبناء الشخصية الغربية ... ثم نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها لذبذبة ولاء المسلمين بين الإسلام وتلك الحضارات ... ثم قاموا بتأكيد ذلك عبر الفكرة الوطنية التي كرّست كيانات التجزئة في الأمة الإسلامية ... ثم في أعطاف الوطنية، خرجت موجات العلمانية التي أسقطت راية الشريعة وأحلت محلها راية القوانين الجاهلية.