الصفحة 2 من 92

بسم الله الرحمن الرحيم

لمَّا كان المجتمعُ الشنقيطيُّ مُجتمعًا مُتَقَبِّلا للخير، لِما خوَّله الله من موروث عِلْمِي وثقافي تَبَوَّأَ به مكانة عالية ومنزلة رفيعة بين المجتمعات المسلمة، وجدت فيه الدَّعوةُ إلى الخير سَبيلا للانتشار وروحا تُبْقِي جذوتها حيَّةً في النفوس، إلا أنَّه قلَّما يسلمُ العمل البشري من إفراط أو تفريط، أو غُلو أو تقصير، وهذا ما وقع في هذه البلاد في أيامنا، حيث أفرط قوم في منهج وأسلوب ووسائل الدعوة، بينما فرَّط آخرون، وجمع آخرون بين الوَصْفين، فأفرطوا في بعض الجوانب وفرَّطوا في بعض.

والحق بين الطرفين كالحسنة بين السَّيئتين، والفضيلة بين الرذيلتين، قال ابن القيم رحمه الله:"والفرق بين الاقتصاد والتقصير أن الاقتصاد هو التوسط بين طَرَفي الإفراط والتفريط، وله طرفان هما ضِدَّان له، تقصير ومجاوزة فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين"، إلى أن قال:"والدِّين بين هذين الطرفين، بل الإسلام قصد بين الملل، والسُّنة قَصْد بين البدع، ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه" [1] .

والدعوة بين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير أدعَى للقبول وأحظى بالبقاء وعند خروجها إلى أحد الطرفين تفقد الحماية، وتقترب أكثر إلى الهلاك والفناء، ذلك لأن الطَّرَفَ واجهة للمخاطر وليس محميا.

كانت هي الوسطَ المَحْمِيَّ فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا

وقبل الكلام عن أوجه الإفراط والتفريط في الدعوة في هذا المجتمع نُلقي نظرةً عليه، لأن معرفة الواقع مما يُيَسِّرُ سبيلَ الدَّعوة، والداعية ملزم بفهم الواقع ومعرفة حياة أهله لتَتَسَنَّى له مهمتُه، وتتجَلَّى له الأولويات، ويختار الأسلوب المناسب.

(1) الروح 2/ 752.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت