إن الناظر في حال المجتمع لَيُدركُ أن المجتمع في أَمَسِّ الحاجة إلى الدعوة على سبيل القصد، بين طرفي الإفراط والتفريط، ولمَّا كانت ثمارُ السنة يانعة وقطوفُها دانيةً، وكانت منهلًا للخير، ومنبتًا للمكرمات، كان لِزامًا على الداعية اكتسابُها والدعوةُ إلى ملازمتها.
1.أساليب الدعوة:
إن على الداعية وهو في مقامه السامي يُزاوِلُ وظيفتَه النبيلة، أن يُراعيَ أحوالَ المدعوين وظروفهم، فيتَّبع الأسلوبَ اللائقَ المناسبَ الذي يمكنهم من نيل قطوف دعوته الدانية و التَّرَوُّضِ في ظلها الوارف.
إن القدوة الحية والأسوة الحاضرة في نفسِ الداعية وعملِه هي ممَّا يُخلِّف الأثرَ القويَّ في نفس المدعو، ويبلغ هذا التأثير ذَرْوتَهُ عندما يمتزجُ بالأسلوب الذي يؤدي إلى الإقناع وقبول البرهان، لا سيَّما مع التأثير العاطفي الذي يستميل القلب ويَلْمَسُ منه جواذبَ الوداد.
مخاطبة العقل وملاسة العاطفة:
إنه بمخاطبة العقل تكون النتيجةُ بعد التأمل والتفكير دقيقة، وتكون العبرةُ بليغة وبملامسة العاطفة يَرِقُّ القلبُ وتنشط النفوسُ، مستعدة لقبول الخير، و اتباع الحق ولذلك أساليب مختلفة:
· أسلوب المقارنة:
وهي مقارنة يتوصل العقل بعدها إلى استنباط الحقائق، ومثاله ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري أن رسول صلى الله عليه و سلم قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة) [1] .
فقد تجلى في هذه المقارنة الدعوة إلى مجالسة أهل الصلاح، والترغيب فيما فيها من خيرات، كما تجلَّى فيها النهيُ عن صحبة أهل الفساد، والترهيبُ من وَيْلاتِها، فهي مقارنة في غاية البلاغة والروعة، ولذلك قال النووي:"وفيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة"
(1) البخاري 5534.