الصفحة 42 من 54

إن النموذج الحضاري القائم اليوم يشكل فتنة كبيرة للناس .. ففيه من ألوان التقدم ما هو نافع حقيقة للناس ، ولازم لهم ليرتفع مستواهم الحياتي ، وفيه في الوقت ذاته انتكاسات روحية وخلقية تهبط بالناس إلى درك أحط من الحيوان .. والناس - لهبوطهم إلا من رحم ربك - يأخذون الأمرين معًا ، على أنهما - معا - هما التقدم والرفعة والرقي !! ومن أجل ذلك لا يحسون في لحظة الانتكاس أنهم منتكسون ، بل يظنون أنهم ماضون في طريق الرفعة ما داموا يمارسون ألوان التقدم التي تتيحها هذه الحضارة ..

ولن يفصل الناس بين الخير والشر في هذه الحضارة ، فيستبقوا الخير ويستزيدوا مه ويسعوا إلى التخلص من الشر ، بكتاب ينشر ، أو موعظة تلقى ، أو خطبة حماسية .

إنما يحتاجون إلى نموذج واقعي ، يحقق ما في هذه الحضارة من خير - أو في القليل لا يعوقه عن الإنطلاق في طريقه - وفي الوقت ذاته يتطهر من الدنس المتمثل في الإلحاد من ناحية ، والفوضى الجنسية والانحراف والشذوذ من ناحية أخرى .. فيتبعوا النموذج على هدى وبصيرة ، وعن رضىً وارتياح .

وحين يحدث ذلك تكون البشرية قد ارتفعت بالفعل ، الرفعة الحقيقية التي تحقق كيان"الإنسان"..

فمن يرشد البشرية إلى ذلك إلا الذين يملكون المنهج الصحيح ، والذين كلفوا تكليفا بإبلاغه للناس ؟!

إن الرد الحقيقي على الطاغوت الحالي الذي يسمى العولمة ، هو إبراز النموذج الصحيح الذي يجب أن يكون عليه الإنسان ، لكي يصدق الناس - في عالم الواقع - أنه يمكن أن يتقدم الإنسان علميا وتكنولوجيا واقتصاديا وحربيا وسياسيا وهو محافظ على إنسانيته ، محافظ على نظافته ، مترفع عن الدنايا ، متطهر من الرجس ، قائم بالقسط ، معتدل الميزان:

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ .. ) (1) .

(1) سورة الحديد [ 25 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت