الصفحة 1 من 20

النكسة التاريخية .. من أفغانستان للعراق

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على عبده ورسوله الأمين.

أمّا بعدُ:

فليس خافٍ أنّ الأمّة الإسلاميّة تعيشُ هذه الأيّام في إدبارٍ من الزّمان، وإقبالٍ من الفتن والمحن؛ يوم تقلّبت فيه أكثرُ الحقائق والمفاهيم، وطُفّفت الموازينُ، وحُرّفت المُسلّماتُ، وامتدّت من أهل الفُجُور الأعناق، ونجم الزّيغُ والنّفاقُ؛ حتّى عاد المعرُوفُ عند الكثير من المُسلمين مُنكرًا، والمُنكرُ معرُوفًا، كُلُّ هذا يوم وُسّد الأمرُ إلى غير أهله، وتسنّم المناصب من لا حقّ لهُ، واتّخذ النّاسُ رُؤوسًا جُهّالًا؛ فأفتوا بغير علمٍ؛ فضلُّوا وأضلُّوا!

نعم؛ ضاعت هيبةُ وهيمنةُ الإسلام في صُدُور أكثر المُسلمين، واهتزّت ثقةُ العُلماء لديهم، في حين تسرّبت عدوى أكثر النّحل والأفكار الهدّامة إلى المُنتمين لقبيل العلم؛ يوم علت أصواتُ المُتعالمين الأقزام (العصرانيّين!) ، وظُنّ بالعلم من ليس أهلًا لهُ، وخاض ميادين التّأليف والتّحقيق الأصاغرُ، وتصدّر للفتوى من أخلد للمناصب الدّنيويّة، وافتتن بالسُّلطان ... وهكذا ما زالت العدوى تسري أو تجري فيمن بقي، إلاّ ما رحم ربّي، وقليلٌ ما هُم!

فإنّ الدّين الإسلامي ما فتئ - مُنذُ نشأته الأولى - يُواجهُ أخطارًا جسيمةً، ومصائب عظيمةً، وأقلامًا مسمُومةً ترقُمُ الباطل في هيأة الحقّ، تُكابدُ المشاق، وتُنازعُ الأهوال، وتتسنّمُ ذُرا الغواية لتنفُث سُمُوم الحقد والزّيف في صفحات الإسلام البيضاء النّاصعة!

فليت شعري! لو نظرت إلى مُتهالكي زماننا ممّن لبسُوا ثوبي زُورٍٍ وبُهتانٍ: إنّهُم صرعى القناطير المُقنطرة، والقُصُور المعمّرة، ممّن جرُّوا الأمّة إلى دواهي ظّلماء، وبلايا عمياء، فكان الّتيّا والّتي، في غير ذلك من منظُومة الهوان والخزي الّتي لم تفتأ تغرسُها دعواتُهُم الضّعيفةُ في قُلُوب المُؤمنين!

كُلُّ هذا من سوالب حُبّ الرّئاسة، وتغشّي بلاط السّلاطين، واتّباع الهوى، وإعجاب كُلّ واحدٍ برأيه ... فما كان لهذه الدّعوات الهزيلة أن تظهر في ساحة المُسلمين؛ إلاّ أنّ كثيرًا من ناصحي أهل العلم تثاقلُوا رفع علم النّصيحة بين جماعة المُسلمين؛ لا سيّما بين أهل العلم والدُّعاة ممّن انتشرت دعواتُهُم وآثارُهُم على مساحةٍ كبيرةٍ من ثقافات، وتصوُّرات أبناء المُسلمين لواقعهم المرير!

وأيمُ الله؛ إنّها السُّنُونُ الخدّاعةُ يوم تكلّمت فيها الرُّويبضاتُ، ونطق فيها الكذبةُ، وائتُمن فيها الخونةُ؛ حتّى عاد الحليمُ بينهُم حيرانًا في وسط رُكام الزّيف، وغشاوةٍ من المُغالطات، وسُحُبٍ من الفتن المُظلمة الّتي تمُورُ بالمُسلمين مورًا!

يقُولُ ابنُ القيّم رحمهُ اللهُ واصفًا حال أهل زمانه:"اقشعرّت الأرضُ، وأظلمت السّماءُ، وظهر الفسادُ في البرّ والبحر من ظُلم الفجرة، وذهبت البركاتُ، وقلّت الخيراتُ، وهزلت الوُجُوهُ، وتكدّرت الحياةُ من فسق الظّلمة" [1] ، اللّهُمّ رُحُماك، اللّهُمّ عفوك ورضاك!

فقفا نبكي على رُسُوم الإسلام، وحياة المُسلمين هذه الأيّام؛ يُوضّحُهُ أنّ طائفةً من أهل العلم والدّعوة بعمارة الدُّنيا، وصريف القناطير المُقنطرة مُنشغلُون، وآخرين: بأعتاب السّلاطين مفتُونُون، وآخرين: بالسُّكُوت عن الحقّ غافلُون، وكُلُّهُم يدّعي وصل حبل (الحكمة) ! وما هُم للحكمة بصادقين؛ اللّهُمّ: أنّها وصلُ حبل الحكمة (ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه) لا الحكمة، وعند التّمحيص والتّحقيق: نجدُ الكُلّ يحطُبُ في حبله، إلاّ ما رحم ربّي [2] !

نعم؛ ذهبت الأندلُسُ منّا أرضًا .. لكنّها ستبقى دينًا وفرضًا!

وذهبت منّا الخلافةُ حسًّا .. لكنّها ستبقى عقيدةً وإحساسًا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت