ومن هذا النص تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ الله بها هذه الجماعة الناشئة، التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة، المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة. إنه يريد لها أن تخلص له؛ وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها؛ وأن تتجرد من كل سماتها القديمة ومن كل رغائبها الدفينة؛ وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية، ومن كل شعار اتخذته، وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده لا يتلبس به شعار آخر، وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه لا يشاركه مصدر آخر.
ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة؛ وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك، ومن عصبية الجنس، إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس .. والله يريده أن يكون بيت الله المقدس، لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره، ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته.
لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى، فقد صرف الله المسلمين عنه فترة، ووجههم إلى بيت المقدس، ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولا؛ ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول ثانيا، ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله، والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة، فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة.
إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة .. إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا؛ ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح؛ إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور. جل أم صغر. وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) .. والله - سبحانه - يعلم كل ما يكون قبل أن يكون. ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس، حتى يحاسبهم عليه، ويأخذهم به. فهو - لرحمته بهم - لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم، بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم.
ولقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية، والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس علقة .. أمر شاق، ومحاولة عسيرة .. إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق، وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه. اهـ
التزم سيد رحمه الله بالاستشهاد بما صح من الحديث النبوي في الغالب، وأما ما وقع في كتابه من الأحاديث الضعيفة فكان عن غير قصد منه، وربما كان عذره أنه قضى فترة طويلة في سجون الظالمين فلم تتهيأ له المراجع، لكن الملاحظ في كتابه أنه اجتنب الاستدلال بالإسرائيليات وما تبعها من الخرافات، فلم يوردها في تفسيره، بينما لا نكاد نجد تفسيرًا من التفاسير إلا وشابه من غبارها شائبة، كما أنه لم يشغل القاريء بالبحث عن مبهمات القرآن والتي لا سبيل للوقوف عليها عن طريق الظن والتخمين أو الخرص والمجازفة، فنجده قد أعرض عن كل ذلك، مصفيًا كتابه منها، وهذا مما يسجل لكتابه رحمه الله.
ومما اتُهم به سيد رحمه الله أيضًا أنه حاول القضاء على الفقه الإسلامي، وهي تهمة باطلة ينكشف زيفها لمن يدرس"في ظلال القرآن"على وجه الخصوص، بالإضافة إلى كتب أخرى له. كما يقول الأستاذ محمد توفيق بركات، حيث بين أن سيد إنما يعتبر الفقه ثمرة طبيعية لحياة المجتمع الإسلامي في ظل الإسلام، ويعتبره استجابة طبيعية للمشكلات الواقعية في ذلك المجتمع.
يقول سيد في الظلال: لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية. اهـ