الصفحة 22 من 24

ثم يصرح سيد بنفي أي اتهام بأنه يدعو لإهمال الفقه الإسلامي فيقول: إن هذه ليست دعوة لإهمال الفقه الإسلامي، وإهدار الجهود الضخمة العظيمة التي بذلها الأئمة الكبار، والتي تحوي من أصول الصناعة التشريعية ومن نتاج الأحكام الأصيلة ما يفوق - في نواح كثيرة - كل ما أنتجه المشرعون في أنحاء العالم. اهـ

إنه لابد لمن يتصدى لتقويم التفاسير بالنقد والتحليل أن يتجرد عند البحث من كل هوى أو تعصب، وأن يدرس التفسير الذي يقبل على نقده دراسة شرعية متأنية هادئة واعية.

ويضيف الأستاذ صلاح الخالدي في بحثه القيم"في ظلال القرآن في الميزان"إلى أن من ضوابط النقد لكتب التفسير الوقوف على أهداف المفسر من تفسيره، وضرورة استخراجها من تفسيره، لأن الأصل في المفسر أن تكون له أهداف يريد تحقيقها من تفسيره، والهدف يحدد المنهج، والمنهج يوضح الطريقة، والطرق تعرض الأفكار والآراء والمسائل، وإغفال الهدف من قبل الدارس يوقعه في أخطاء في البحث والتقويم. اهـ

ولنا على كلام الأستاذ الخالدي ملاحظة هي أن المعيار الصحيح في تقييم التفاسير هو ضوابط الشرع، وقواعد العلم الشرعي، وما عرف من معتقد أهل السنة والجماعة، وبالجملة ما كان عليه السلف الصالح في العقيدة والشريعة، فمن خالف ذلك فقد أخطأ سواء كان هدفه من تفسيره واضحًا أو مبهما، وسواء كان له هدف مقبول في الجملة أم لا، وسواء كان تفسيره في الجملة من تفاسير أهل السنة أم من تفاسير المبتدعة، فالميزان هو الشرع وقواعده وضوابطه، وإلا فالمبتدعة كانت لهم أهداف واضحة من تفاسيرهم، وقد راعوا في تفاسيرهم تحقيق أهدافهم، فالقول بأن معرفة هدف المفسر ضرورية في تقويم كتابه، قول غير مسلم، وإنما يمكن أن يعتذر عن المؤلف في كون كتابه جاء على غير النمط المعهود من كتب التفسير، وتوسعه في البحوث بأن ظروف عصره، وما أحاط به شخصيًا من أجواء اقتضى منه هذا التوسع، واستلزم ذاك التفصيل.

وممن أسرفوا في الهجوم على خط سيد في الظلال وغيره الشيخ ربيع المدخلي، فقد أفرد سلسلة من المؤلفات صب فيها ما توهمه من انحراف سيد، وقد قرأت كتبه بعناية فوجدته في معظم وقفاته مجانبًا للاتزان والإنصاف والتجرد، وقد لمست أنه كوّن فكرة مشوهة عن سيد ومن سماهم جماعته، ثم استصحب هذه الفكرة بمزاج معتل، ونفس متوترة، ودراسة متعجلة، وتصيد للعبارات، وتعسف في الفهم فأخرج بهذه التوليفة التي لا تمت للبحث العلمي بصلة كتبه التي سماها نقدًا،

ففي كتاب"أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره"يقول: سيد يجوز للبشر أن يشرعوا قوانين لتحقيق حياة إسلامية صحيحة. اهـ

يقول الشيخ ربيع ذلك مع أنه نقل من كلام سيد ما يوضح أنه إنما قصد ما يندرج ضمن قاعدتي المصالح المرسلة، وسد الذرائع، وأن ذلك يكون عند عدم تعارض تلك التشريعات والنظم مع أصول الإسلام، وألا تصطدم بفكرته عن الحياة والناس.

ولا أدري كيف تصور الشيخ ربيع أن الشيخ سيد قطب رحمه الله يجوِّز للبشر أن يشرعوا، مع أن هذه القضية من أهم القضايا التي دأب سيد على تجليتها وتوضيحها في الظلال وغيره من مؤلفاته، وهي التي أفزعت الطغاة، وهيجتهم عليه، ودفع رحمه الله حياته وهو يدافع عنها في ثبات ووضوح وإصرار، فهل قصر فهم الشيخ المدخلي عن قراءة الظلال قراءة صحيحة منصفة؟ أم ماذا؟ الله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت