الصفحة 18 من 60

كذلك لا نعجب للتخلف الفكري!

إن الجانب الفكري للأمة - الذي يتمثل في المفكرين وأصحاب الرأي - هو البلّورة التي تنشأ من تشبع السائل في الوعاء. وإذا كان الوعاء في المثل الذي ضربناه هو الأمة، والسائل هو مجموع الأنشطة الحية التي تقوم بها الأمة في مختلف الاتجاهات، وتفرزها الحركة الدائبة التي تمثل الكدح البشري، فإن البلّورة تتكون على مهل في وسط هذا الخضم، رائقة شفافة، فتكون هي الخلاصة الصافية، تعجب الناظر، وتدعو إلى التأمل والتفكير.

فإذا كان الوعاء كما وصفنا، فارغا أو شبه فارغ، والسائل كما وصفنا متميعا لا يتشبع، فمن أين تأتي البلّورة الرائقة التي تعجب الناظر وتدعوه إلى التأمل والتفكير؟!

لقد أبدع العقل الإسلامي فكرا رائعا على مساحة واسعة لعدة قرون، وكانت مزيته العظمى - فيما عدا الشاذ الشاطح منه - أنه نابع من الإسلام، مستمد من أصوله، منبثق من ينابيعه الصافية، غير متأثر بلوثات الجاهلية من حوله. وإذا أسقطنا من حسابنا من تأثروا بالفكر الإغريقي - الفلسفي والكلامي - فإن الفكر الإسلامي الأصيل يظهر جليا في العلوم الشرعية كلها: علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه والأصول وعلوم اللغة، وكلها إنتاج فذ لا مثيل له في أي لغة أخرى غير العربية، ولا عند أي أمة أخرى غير الإسلامية، ولكن هذا - على غزارته وسعة آفاقه - لم يكن هو الإنتاج الفكري الوحيد للمسلمين، المستمد من أصول إسلامية خالصة، وإلا فأين نضع كلام ابن خلدون في فلسفة التاريخ، وكلام الغزالي في أغوار النفس البشرية، وكلام الماوردي والقابسي في التعليم، وجهود المؤرخين المسلمين والجغرافيين المسلمين، وهذا كله غير الدراسات الأدبية والنقدية التي تتكلم عن إعجاز القرآن أو عن أسرار البلاغة أو عن العلاقة بين المعنى واللفظ.

إنتاج ضخم، لفكر حيّ متحرك، لقوم يعيشون الإسلام واقعا، فيشكل الإسلام فكرهم ومشاعرهم كما يشكل سلوكهم، ويشكل ثقافتهم كما يشكل ممارساتهم.

وكان الفكر الحيّ المتفتح انعكاسا للواقع الحيّ المتحرك ..

فلما خبا المنبع في داخل القلوب، ذهبت الأصالة المتجددة، وخَفَت النبض المتدفق .. ثم غفا صاحب الفكر .. ثم راح في سبات عميق!

تلك هي الحال التي واجهتها"النهضة".

ولا بد أن نذكر بادئ ذي بدء أن"النهضة"ذاتها كانت رد فعل للصدمة .. صدمة الانهزام أمام الغرب، والانبهار بالفارق الضخم بين واقع الغرب وواقع المسلمين .. في جميع الميادين!

وقد قلنا من قبل في كتب سابقة إن الهزيمة العسكرية وحدها لم تكن لتؤدي إلى ذلك الانبهار، ولا الفارق الحضاري الذي كان قائما بين العالم الإسلامي وبين الغرب الظافر، ولا حتى اجتماع الهزيمة مع الإحساس بالفارق الحضاري .. إنما الذي يفسر ذلك الانبهار هو الخواء الذي كانت تعيشه الأمة الإسلامية في جميع الميادين، وعلى رأسها الخواء العقدي .. الخواء من حقيقة لا إله إلا الله، فهي - بالنسبة للمسلم - نقطة الاعتزاز وموطن الاستعلاء، كما قال تعالى مخاطبا الأمة من قبل:

(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [1] .

فحين تفقد العقيدة شحنتها الفاعلة، وتُفَرَّغ من مقتضاها الحقيقي، يمكن أن يحدث الانبهار بأتفه الأشياء، ويمكن أن تتضخم الأمور في حس المبهورين مرات فوق مرات .. فما بالك حين تكون الحقيقة بهذه الضخامة المفزعة بين واقع الغرب وواقع المسلمين؟

هَوْلٌ لا يصمد له إلا أولو العزم من الناس، الذين لا يتزعزع يقينهم في الله، ولا في الحق الذي أنزله الله، وإن لفّهم الظلام الحالك في لحظة من اللحظات ..

(وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) [2] .

(1) سورة آل عمران [139] .

(2) سورة ص [24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت