العقيدة هي لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ومعيار الصحة والمرض، الذي نقيس به حال الأمة في فترتها الأخيرة، هو صورة هذه العقيدة كما أنزلت من عند الله، وكما علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضوان الله عليهم، وكما طبقتها الأجيال الأولى من هذه الأمة، مقارنة بما صارت إليه عند الأجيال الأخيرة من المسلمين. وإذا عقدنا المقارنة على هذا النحو فسنجد مجموعة من الأمراض قد أصابت مفهوم لا إله إلا الله خلال المسيرة التاريخية للأمة، أفرغتها في النهاية من مضمونها الحقيقي، ومن شحنتها الدافعة، وحولتها إلى كلمة تقال باللسان، والقلب غافل عن دلالتها، والسلوك مناقض لمقتضياتها.
(1) أول هذه الأمراض هو الفكر الإرجائي الذي يخرج العمل من مقتضى الإيمان، والذي يقول: الإيمان هو التصديق، أو هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلا في مقتضى الإيمان.
وليس بنا هنا أن نناقش هذه القضايا، قد ناقشناها مناقشة تفصيلية في مجموعة من الكتب من قبل؛ إنما نحن هنا نعدها عدا فحسب [1] !
(2) ثاني هذه الأمراض - ولا يقل عنه خطورة - الفكر الصوفي، الذي يطمع العبد في رضا مولاه إذا أدى مجموعة من الأوراد والأذكار، وأطاع الشيخ واتبع هواه، دون القيام بالتكاليف التي فرضها الله، وخاصة الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي إلى تقويم المجتمع. وهذا بالإضافة إلى تضخم الشيخ في حس المريد، حتى يصبح واسطة بين العبد ومولاه، وبالإضافة إلى توجيه ألوان من العبادة إلى بشر من الأموات والأحياء لا توجه إلا لله، من النذر والاستعانة والاستغاثة والذبح والطلب والرجاء ..
(3) الانحسار التدريجي في مفهوم العبادة من كونه شاملا لكل حياة الإنسان لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ .. ) [2] إلى انحصاره في الشعائر التعبدية وحدها (دون بقية الأعمال) إلى تحول الشعائر ذاتها إلى أعمال تقليدية تؤدَّى بحكم العادة دون وعي حقيقي بمقتضياتها، إلى إهمالٍ لبعض الشعائر .. وانتهاء بالخروج من أدائها جملة، حتى الصلاة!
(4) تحول عقيدة القضاء والقدر من عقيدة نافعة تدفع صاحبها إلى الإقدام والشجاعة في مواجهة المواقف، إيمانا بقوله تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [3] إلى عقيدة مخذلة، صارفة عن العمل، بدعوى أن ما لك سوف يأتيك، وأنك مهما عملت فلن تحصّل إلا ما هو مكتوب لك، فلا ضرورة للعمل! وتحولها من عقيدة تحمل الإنسان مسئوليته عن عمله حين يخطئ أو يقصر، إلى مَحطٍّ يحط الإنسان عليه تقصيره وإهماله، بحجة أن كل شيء مقدر! ومن عقيدة تحث الناس على العمل على تغيير الواقع أملًا في واقع أفضل إلى عقيدة تحث الناس على الرضا الخانع بالواقع السيء لأنه من قدر الله، ومحاولة تغييره تمرد على قدر الله!
(5) تحول التوكل على الله من شعور إيجابي، تصحبه العزيمة وإعداد العدة، لقوله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [4] إلى شعور سلبي متواكل لا يأخذ بالعزيمة ولا يتخذ الأسباب.
(1) راجع إن شئت:"واقعنا المعاصر"-"مفاهيم ينبغي أن تصحح"-"لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة"-"كيف ندعو الناس"-"حول تطبيق الشريعة".
(2) سورة الأنعام [162 - 163] .
(3) سورة التوبة [51] .
(4) سورة آل عمران [159] .