لعل أوضح تعبير عن المنهج هو ما قاله أحد دعاته - الدكتور طه حسين - في كتابه"مستقبل الثقافة في مصر"حيث يقول:"إن سبيل النهضة واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب" [1] .
وهو كلام واضح لا لبس فيه، ولا مجال معه إلى التأويل.
يذكرني بكلام الشاعر الجاهلي القديم"دريد بن الصمة"حين قال:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزية أرشد!
مع فارق رئيسي، أن دريد بن الصمة كان من قبيلة غزية بالفعل، بل كان شيخها ورئيسها، بينما طه حسين لم يكن كذلك! لم يكن من القوم الذين يريد أن ينتسب إليهم!
نحسب الأجيال الأولى من"التنويريين"- رفاعة رافع الطهطاوي وأمثاله - كانوا مخلصين، والله أعلم بهم .. لم يكن في قلوبهم ذلك الحقد الأسود على الإسلام، الذي اكتسبه المتأخرون منهم، الذين يتحدثون عن المسلمين في شماتة ظاهرة لا حياء فيها، ويتحدثون عن الإسلام كأنه العدو الأكبر الذي لا بد من إزالته من الأرض!
ولكن الإخلاص وحده لا يغني، إذا كان المنهج غير صحيح.
لقد رأوا واقع أمتهم السيئ، وكانوا راغبين حقا في إنقاذ أمتهم: الأمة الإسلامية على وجه التحديد، بصفتها تلك، لا بأي صفة سواها، وظنوا أن السبيل الأوحد للإنقاذ هو تقليد أوربا. فكان خطؤهم في طريقة التفكير، وليس من فساد في الضمير. وكان الخطأ ناشئا من الهزيمة الروحية التي استولت على أرواحهم تجاه الغرب والحضارة الغربية .. ولم يكونوا من أولي العزم .. لذلك لفّتهم الدوامة وذهبت بهم كل مذهب فلم يقووا على مقاومتها وتحديد مسارهم الذاتي في داخلها.
أما المحدثون فلهم شأن آخر! إنهم ليسوا حريصين على إنقاذ أمتهم"الإسلامية"بصفتها تلك، بل هم على العكس من ذلك حريصون على إبعاد هذه الأمة عن الإسلام، باعتبار أن هذا هو العلاج الذي لا علاج غيره لما أصاب الأمة من الأمراض، فهم سابحون مع تيار الغرب برغبة ووعي، ويعلمون على وجه التحديد ماذا يريدون.
ونقاشنا هو مع هؤلاء المحدثين، لا مع الأجيال الأولى التي عاشت فترة انتقال، حملت شيئا من ملامح القديم وشيئا من ملامح الجديد (كما يحدث دائما في فترات الانتقال) بينما تبلور الوضع الآن مع التنويريين المعاصرين فصار خطا واضحا مناوئا"للدين"، أو في القليل راغبا في تحجيمه - إن عجزوا عن إزالته - بحيث يصبح كالدين الكنسي في الغرب: علاقة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا صلة لها بواقع الحياة!
الخطأ الرئيسي في منهج هؤلاء هو عدم إدراكهم الفرق بين حال الأمة الإسلامية اليوم وحال أوربا في عصورها الوسطى المظلمة، التي لم تجد لنفسها مخرجا منها إلا بنبذ"الدين"أو في القليل تحجيمه بحيث لا تكون له هيمنة في واقع الحياة، ومناداتهم من ثم بأن علاج الأمة الإسلامية يجب أن يكون هو ذات العلاج الذي استخدمته أوربا من قبل، وأدى بها إلى القوة والتمكين.
وهو خطأ مركب، متعدد الأطراف.
صحيح أن هناك تشابها بين بعض الأمراض التي أصابت الأمة الإسلامية في القرنين الأخيرين، وأمراض كانت موجودة في أوربا في عصورها الوسطى المظلمة، ولكن النظرة الفاحصة لا بد أن تتبين الفرق في الأسباب، الذي تترتب عليه فروق في النتائج، وإن تشابهت بعض الأعراض.
(1) طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، طبعة القاهرة ص 46.